: أسس السعادة الزوجية- التزام تقوى الله في حفلات الزفاف:28ماي2010

خطبة الجمعة ليوم:28ماي2010/15جمادى الثانية 1431

تحت عنوان: أسس السعادة الزوجية- التزام تقوى الله في حفلات الزفاف

الحمد لله المنعم بآلائه, المجزي بالمباركة والمثوبة الشاكرين لنعمائه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ندب عباده إلى الفرح بأفضاله ورحماته السابغة على أوليائه, وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله, ندبنا إلى إظهار الفرح في أعراسنا وإعلانها والضرب عليها بالدف فقال: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بالدف. الترمذي وابن ماجةعن عائشة. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله البررة الأطهار, وصحابته الأخيار وتابعيهم على قويم النهج وأهدى السنن ما تعاقب الليل والنهار. من يطع الله ورسوله فقد رشد….

أما بعد معشر الأحباب: إن إقرارنا بأن سنة التناكح والتناسل من أجل نعم الله علينا يدعونا للانتهاض بواجب الشكر لله سبحانه عليها, وإن تأسيس نكاحنا على تعاليم الإسلام وهديه يلزمنا أن نتحرى طاعة الله  والتزام تقواه ونحن نؤسس لبيوتنا, وإذا كان نبينا  استوصى بالنساء خيرا في آخر عهده بالدنيا فقد أسس وصيته هذه على عنوان الارتباط المتمثل في استحلال الفروج بكلمة الله وأخذهن بأمانة الله:ففي صحيح مسلم عن جابر  أن رسول الله  قال في خطبة عرفة بحجة الوداع: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. وفي تفسير عكرمة ومجاهد لقول الله :(وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قالا : أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وهو ما يدعونا ونحن نرشد السعادة الزوجية أن نتلمس معالمها ونتعاطى أسبابها بالتزام طاعة الله  والوقوف عند حدوده ونحن نؤسس لبيوتنا في خطبة من نرغب في نكاحها, وفي عزم عقدة النكاح, وفي البناء بالزوجات وليمة وإعلانا للنكاح. إن النكاح أمر الله لعباده المؤمنين, ووصية رسوله  لشباب الأمة, وهو سنة النبيئين فكان لزاما علينا ألا نخرجه من دائرة الطاعة لله  وملازمة تقواه إلى مناسبة للفسق والفجور, والتحلل من جميع القيم الدينية والأخلاق الإسلامية, والدوس على الأحكام الشرعية الثابتة بنصوص صريحة بحجة الأعراف والعادات أو غلبة النساء لأزواجهن واحتكامهن لنزواتهن ورغباتهن, لقد أضحى أمر الزواج من كونه قضية شرعية وضرورة بشرية إلى مشكلة اجتماعية خطيرة، من حيث ما أحدث فيه مما لا يمتّ إليه بصلة، ولا يرتبط به شرعًا ولا عقلاً. لقد كثر الحديث عن مشكلات الزواج، وطفحت فيه الكتابات والمقالات، وبُحّت حناجر الغيورين على مجتمعهم بالتحذير مما يصاحب كثيرًا من الزيجات من المشكلات والتعقيدات، فضلا عن المحرمات والمخالفات، ناهيكم عن الطقوس والشكليات، والتفاخر والمباهاة، والإغراق في الكماليات. ولئن استوقفنا في اللقاء الماضي جوانب مما صحب الخطبة من التجاوزات الشرعية وما أحيطت به المهور من تغال وتفاحش, وما أحيطت به الولائم من تكاليف باهضة، ونفقات مذهلة، وعادات اجتماعية فرضها كثير من الناس على أنفسهم، تقليدًا وتبعية، مفاخرة ومباهاة، إسرافًا وتبذيرًا فإن مما جاهرنا فيه رب البريات بالمعاصي والمنكرات, وأعلنا فيه الدوس على النصوص القطعيات وعزائم الأحكام, ما اكتنف زفاف العروس لزوجها وإحياء ليلتها من أباطيل. إن ليلة الزفاف لبنة عملية في تأسيس الأسرة, وفيها يكون أول اقتران بين الزوج وزوجه, وهي محطة تؤسس لما يستقبل من معاني العشرة الزوجية ومعالم مرجعيتها وما أسست عليه, وكان الواجب في هذه الليلة أن تعمر بما يعكس الشكر لله  على توفيقه وتيسيره, لذلك أثر عن أعرابي أنه جاء النبي  يشكوه غائلة الشهوة وخوفه على نفسه من الوقوع في الفاحشة فأرشده إلى الزواج بأول جارية تعترض طريقه ليس لها زوج, فلما التأم شمله بجارية وزفت إليه بعد أحسن أبوها جهازها مع لبن وتمر, رأى جارية مصنعة ، ورأى تمرا ولبنا ، فقام إلى الصلاة ، فلما طلع الفجر غدا إلى رسول الله ، وغدا أبو الجارية إلى ابنته ، فقالت : والله ، ما قربنا ولا قرب تمرنا ولا لبننا ، قال : فانطلق أبو الجارية إلى رسول الله ، فأخبره ، فدعا الأعرابي ، فقال : « يا أعرابي ، ما منعك من أن تكون ألممت بأهلك ؟ » ، قال : يا رسول الله ، انصرفت من عندك ودخلت المنزل فإذا جارية مصنعة ، ورأيت تمرا ولبنا ، فكان يجب لله علي أن أحيي ليلتي إلى الصبح ، فقال « يا أعرابي : اذهب فألم بأهلك »مسند عبد بن حميد عن عبد الله بن أبي أوفى. تلك نظرة من استشر نعمة الله وفضله عليه وأدرك واجب الشكر وما فيه من مباركة ووعد بالمزيد, وإن الواقف على واقعنا في أول ليلة من ليالي الزفاف لتستوقفه تلك المظاهر المخزية التي لا تكاد تمت لتعاليم الشرع بصلة, من تكشف وعري مصحوب بكل معالم الزينة, ومن اختلاط فاحش للنساء بالرجال حتى لكأن الكل صار محرما, وحتى صارت مناسبات الزفاف فرصة لذوي المقاصد الدنيئة يلتقون فيها لتحقيق أغراضهم, وهو مظهر للأسف لسان حاله أن الأفراح ترفع التكليف الشرعي وتطلق للشباب وللفتيات الحبل على الغارب. إن مما يجب أن نتبينه ونحرص عليه في أفراحنا وضع حد للدخول على النساء في تجمعاتهن وأماكن طهيهن وما يغلب على الظن طرح ثيابهن فيه, حتى نجنب الحرج لهن, وحتى لا نفتح أبواب الشرور على أنفسنا وعلى نسائنا وبناتنا, وحتى نفوت على ذوي القلوب المريضة والمقاصد الدنيئة ما يتحينونه من فرص للاطلاع على العورات وانتهاك الأعراض. إن صيانة هذه المجالس من الاختلاط والفحش مسؤولية صاحب العرس بمقتضى ثقة من بعثوا بزوجاتهم وبناتهم له ليشاركنه فرحه ويعنه على شؤون زفافه وائتمانهم إياه على أعراضهم, وإن التقصير في ذلك خيانة للأمانة. ومما جر على مجتمعنا الويلات وكان سببا في تهديم كثير من البيوت ما يكتنف هذه التجمعات للنساء في أفراح الأعراس من اختلاط ورقص تلتقطه عدسات الكاميرات ليصير سلعة تعرض للمتاجرة والمزايدة واطلاع كل من هب ودب عليها, حتى إن الرجل لييتابع شريطا منها عرضا ليقف على مشاهد يندى لها الجبين وربما كانت مع من له به صلة قرابة أو مصاهرة, وكم سمعنا من حالات طلاق سببها أن الزوج وقف على مشهد في عرس من الأعراس تراقص فيه زوجه أجنبيا عنها أو تغازله أو تقبله فكانت النتيجة طلاقها وتشريد الأسرة كلها. إن التصوير في الأعراس آفة عمت بها البلوى مع ما فيها من مخاطر, والأدب أن تجنب مجالس النساء مضايقات آلات التصوير, وإن كان لا بد منه فليكن منهن وفي حدود لا تخدش الحياء والكرامة ولا يمكن الرجال من اقتنائه أو الحصول عليه ومتابعة محتواه لما فيه من إطلاعهم على عورات النساء وفيه مفاتن ومخاطر كبيرة. فلنتق الله معشر الأحباب في أفراحنا, ولنحفظ لنسائنا حرمتهن وكرامتهن, ولنحفظ لإخواننا أعراضهم, ولنجعل شريعة ربنا أساس تصرفاتنا وأساس فرحنا وأساس حفلاتنا. نسأل الله تعالى أن يبصرنا…

الخطبة الثانية:

الحمد لله أما بعد معشر الأحباب إن مما يكتنف أعراسنا وأفراحنا وفيه مجانبة لتقوى الله  ما درج عليه كثير من أفراد المجتمع من إحياء ليالي الزفاف بالغناء الماجن والموسيقى الصاخبة وما يصحبها من منكرات, وهي معصية مركبة في أول لقاء كان يستوجب شكر الله  على توفيقه وجزيل إنعامه. إن الغناء المصحوب بآلات العزف والطرب مما اتفق جمهور العلماء على تحريمه, وما يتبع ذلك من كلام ماجن لا يشك في حرمته أيضا, وإن كثيرا من الرجال يتعللون عند عتابهم وتأنيبهم بأن الأمر ليس بأيديهم, وأي خير يرجى لبيوت فقد أربابها القوامة عليها وأسندوا أمرها للنساء والسفهاء يتصرفون فيها وفق أهوائهم ومشتهياتهم, وذبحوا رجولتهم بين أفخاذ نسائهم. إن صيانة البيوت من المنكرات والمعاصي مسؤولية الأزواج بالدرجة الأولى ولن يعفيهم من هذه المسؤولية غلبة نسائهم عليهم, ولا سعيهم في تلبية رغبات السفهاء من أبنائهم وأقاربهم, وأي خير يرجى فيمن يرضى بإغضاب الله  وإقرار المنكر في بيته مقابل نيل رضى زوجته أو تلبية رغبة سفيه أيا كانت صلته به. أضف إلى ذلك ما يصحب هذا الغناء من اختلاط فاحش وتعاط للخمور والمخدرات حتى صارت من أساسيات الحفلات في مجتمع يدين بدين الإسلام, وقد ذاع صيته في الأقطار أنه مجتمع قرآني محافظ. إننا بجرأتنا هذه على الله  نجني على أنفسنا وعلى مجتمعنا مرتين: مرة بإعراضنا عن شرعه وانسياقنا وراء شهواتنا وغرائزنا واحتكامنا لسفهائنا ومن انحرفن من نسائنا, ومرة أخرى بتشويه سمعة مجتمعنا وكفر نعمة تحبيب الله  غيرنا لنا بستره لعيوبنا عنهم, وتعظيمه لمحاسننا في أعينهم, وإن مما ينجر عن هذه الحفلات الآثمة تجمع السفهاء والسفيهات والطائشين والطائشات والمجرمين والمجرمات في بيت الزوجية وما يعقبه من فواحش ومنكرات ليصير البيت في أول تأسيس له مرتعا للشياطين ووكرا للفساد ومأوى للسفهاء. وأي خير يرجى من زفاف أسس على السفه والطيش والمنكر وحزب الشيطان؟ وليت هذه الشرور اقتصرت على أهل العرس ومن قصدهم من السفهاء, إنما يعلى هذا المنكر ويجاهر به من خلال مكبرات الصوت التي تمسح البلاد عن بكرة أبيها فلا يسلم من ظلمه وإثمه أحد ولو تحصن في جحر تحت بيته. إن أفراح الأعراس ارتبطت في أذهان الكثير منا بتسليط الظلم على عباد الله وحرمانهم حظهم من النوم في الليل الذي جعله الله سكنا ومستقرا لعباده, إننا استبدلنا سنة الله في الليل بظلمنا وطغياننا إلى إعلان للفواحش والمنكرات, ولم نرحم فيه مريضا قضى يومه في ألم وشدة, ولا عاملا قضى يومه في كدح وتعب, ولا مسافرا ركن إلى بيته ليضع عنه وعثاء السفر وشدته, ولا عابدا أراد أن يخذ منه خلوة بربه للاستمتاع بلذة المناجاة, ولا طالبا قضى يومه في التحصيل وهو يستقبل غده للدراسة أو الامتحان, ولا جارا له من حق الجوار أن نكف عنه شرنا وأذانا وهو عنوان الإيمان كما في الحديث: وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ. وأساس الدخول إلى الجنة كما في رواية مسلم: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ.وإن العاقل ليتساءل: ماذا قدم من ينغصون على إخوانهم الموحدين راحتهم واستقرارهم بالغناء الماجن والموسيقى الصاخبة في الساعات المتأخرة من اليل؟ ماذا قدمت من تخرج عارية متعطرة متمايلة متكسرة تعرض جسدها وزينتها؟ إننا عندما يطرق آذاننا زفاف شباب نحسبهم من خيرة الشباب لأخلاقهم وملازمتهم للمسجد, أو آباء من خيرة الآباء والأولياء مقبلون على تزويج بناتهم أو أبنائهم لنستبشر خيرا ونجزم أنه زفاف بحمد الله مما نحمد عاقبته ونجعله مضرب المثل,ونقبل عليه بسرور واستبشار لكن ما إن ينتصف الليل حتى يفجأك بما ينبعث من بيت الزفاف من نتن الكلام وجيف الأصوات لتتيقن أنه مرتع للفسقة والسفاء, وأنه انقلب بعد كلام الله  فيه وفاتحة العقد إلى مرتع لمزامير الشيطان وتسليط الظلم على المجتمع كله, لتتبين معدنهم الخبيث والعياذ بالله ورجولتهم المنقوصة. إننا نريد من شباببنا وآبائنا ومن نسائنا خصوصا وبعد أن استهجن المجتمع هذه الأوبئة أن يستبدلوا ذلك بأناشيد طيبة في كلامها محترمة في مجالسها هادئة في إيقاعها تعكس بحق انتماءنا وهويتنا, ونحفظ بها حدود الله, خاصة وإن شبابنا وفتياتنا بحمد الله يشهد لهم بميلهم لذلك وإتقانهم له. إننا في أمس الحاجة اليوم –طاعة لله  وحفاظا على زفافنا من الانحراف وانتزاع البركة منه- أن نتقي الله فيما نحيي به حفلاتنا ونحافظ على سمعة بلدنا في الوطن كله وخارجه بما أسس له العلماء العاملون من أسلافنا وعلى رأسهم الشيخ سيدي الحاج محمد بلكبير رحمه الله…

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>