هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصبيان:12مارس 2010

خطبة الجمعة ليوم:26ربيع الأول1431/12مارس 2010

تحت عنوان:هدي النبي  في تعامله مع الصبيان(4)

الحمد لله الذي علم بالقلم, علم الانسان ما لم يعلم, أحمده سبحانه على ما به أنعم, وأشكره على ما أولى وأكرم, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أثنى على العلم وأهله وبوأهم رفيع المنزلة فقال: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم دراجات, وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله من ندبه ربه للاستزادة من العلم فقال سبحانه:وقل رب زدني علما, اللهم صل وسلم عليه وعلى آله أولي النهى, وصحابته سرج الأمة ومعالم الهدى, والتابعين لهم ممن ائتسى بهديهم وسيرهم واقتدى إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى…

أما بعد معشر الأحباب ما زلنا نتلمس في شمائل المصطفى  هديه في تعامله مع الأطفال عناية وتربية وتأديبا لنترسم من هذا الهدي معالم التربية والتنشئة للبنين, ونرسخ ذلك عندهم حتى يصير لهم عادة فقد روى ابن ماجة بإسناد صحيح عن مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أَنَّهُ قَالَ «‏ الْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ »‏ .‏ وأثر عن عبد الله بن مسعود  قوله : ( حافظوا على أبنائكم في الصلاة ، وعوّدوهم الخير فإنّ الخير عادة. فالأطفال هم الرجال غداً وآباء المستقبل وفجر الأمة المنتظر. ولن تقف البشرية على هدي أرفع وأسمى, وأنجح وأكمل, وأشمل وأوفى من هدي المصطفى  فإنه  ملك مفاتيح قلوبهم بيده ولسانه . حتى أصبح الصبي يحبه ويجله ويقدره. ولئن تركزت وقفاتنا السابقة على الملاطفة والرعاية والتربية والتأديب فوقفتنا هذه ستتركز على معالم هديه  في تعليم الصبيان وإرشادهم. إن أول معلم يستوقفنا في هذا المجال اهتمام النبي  بتعليمهم وحرصه أن لا تفوت هذه الفترة العمرية من حياتهم حتى يتشبعوا بالعلوم والمعارف ما ينير دربهم ويبصرهم بحقوقهم وواجباتهم في جميع المجالات ويربط القلوب ببارئها معرفة وحبا وخشية. ومما يدل على ذلك أنه  اشترط على بعض أسرى بدر حتى يطلق سراحهم ويفك أسرهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة حتى إذا مهروا فيها من عليهم وأطلق سراحهم, ونصوص السنة كثيرة فيها دعوة صريحة منه  إلى الاهتمام بتعليم البنين وتربيتهم سواء تعلق الأمر بتحفيظهم القرآن أو تعليمهم أحكام دينهم أو تعليمهم ما تقوم به حياتهم من الحرف أو ما تقوم به قوتهم من تعليم لفنون القتال. وهو هدي الصحابة رضوان الله عليهم بعده في حرصهم على تعليم أبنائهم كل ما يهمهم وينمي معارفهم ويقوي إيمانهم, حتى كانوا يحفظونهم مغازي الرسول  كما يحفظونهم السورة من القرآن. وذاك هو المعلم الأول الذي درجت المجتمعات على رعايته والاهتمام به, وهو الآن للأسف يعاني تقاعسا وتوانيا في دور الآباء والأوصياء من خلال غيابهم الكلي عن المؤسسات التعليمية ومراقبة وضع أبنائهم فيها, وعن متابعة أبنائهم انضباطا وتحصيلا. إن حرصنا على تعليم أبنائنا وتربيتهم فريضة شرعية, وهي أولوية في سلم التزاماتنا لا تعفي منها التزامات وظيفية ولا تزاحم الأشغال وضغط المهام. والمعلم الثاني يتمثل في اغتنام الفرص السانحة لتلقينهم ما يقوي إيمانهم ويبصرهم بالتزاماتهم ويربط صلتهم بربهم, سوا كانت هذه الفرص جلسات علمية أو فترات راحة واسترخاء, أو مرافقة في الطريق أو في سفر, وهو هدي نبوي تجليه كثير من المواقف التي نقلتها لنا كتب السنة والسيرة, من ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو حديث مشهور وفيه من الإيحاءات ما فيه. ففي سنن الترمذي ومستدرك الحاكم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ. قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فقد اغتنم  فرصة ركوب الغلام معه على الدابة, وفرصة اشتياق الغلام لمؤانسته  وليغتنم فرصة قطع الطريق بما يفيد هذا الغلام. وإن فرصا كثيرة تتاح لنا مع أبنائنا ونحن نصحبهم في أسفارنا أو ننقلهم إلى مدارسهم, لكننا بدل أن نغتنمها في تعليم أو توجيه نترك المجال لأشرطة الغناء تفعل فعلتها أو للخيال يسرح حيث شاء, ما يؤكد غياب هم التعليم لأبنائنا من ساحة اهتماماتنا رأسا. وتقدم معنا ما رواه ابن السني عن أبي هريرة  أن النبي  رأى رجلا معه غلام ، فقال للغلام : من هذا ؟ قال : أبي. قال : “فلا تمش أمامه، ولا تستسب له ، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه” . فقد اغتنم رسول الله  فرصة اجتماع الغلام مع أبيه لينبهه على أدب تعامله معه وليوقفه على معالم البر به. والمعلم الثالث يتمثل في تحبيب العلم لهم وتهوين تحصيله في أذهانهم ما يذهب عنهم استصعابه ويدفعهم للإقبال عليه دفعا, ذلك أن كثيرا من الأبناء إنما ينفرهم من طلب العلم استصعابه لأي سبب من الأسباب التي تدفعهم لذلك. فقد كان  يثني على البعض بأنه معلم كما جاء في حديث ابن مسعود . ففي المسند وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن مسعود  قال : كنت غلاما يافعا في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها فأتى النبي  و أبو بكر معه فقال : ياغلام هل معك من لبن ؟ فقلت : نعم ولكني مؤتمن فقال : أئتني بشاة لم ينز عليها الفحل فأتيته بعناق أو جذعة فاعتقلها رسول الله  ثم جعل يمسح الضرع ويدعو حتى أنزلت فأتاه أبو بكر بصخرة فاحتلب فيها ثم قال لأبي بكر : اشرب فشرب أبو بكر ثم شرب النبي  بعده ثم قال للضرع : اقلص فقلص فعاد كما كان قال : ثم أتيت النبي  بعد فقلت : يا رسول الله علمني من هذا الكلام – أو من هذا القرآن – فمسح رأسي وقال : إنك غلام معلم قال : فلقد أخذت من فيه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر. فقد كان قوله  للغلام:إنك غلام معلم كفيلا بأن ينبغ في العلم حفظا للقرآن الكريم ورواية لسنة سيد المرسلين, وفقها في الدين. إن تهوين تحصيل العلم في ذهن الناشئة وتحبيبه لهم وتيسير سبل تحصيله من شأنه أن يفتق أذهانهم وينمي مداركهم ويدفهم للإقبال على التحصيل دفعا, ولتحقيق ذلك تبارت الأنظمة في اختيار البرامج الملائمة, وتحديد الأهداف المرجوة, وتوفير الوسائل الكفيلة بتحقيقها, واختيار أفضل الأساليب وأنجعها عملية التحصيل. وهي رسالة للقائمين على مهمة التعليم أن يستفيدوا من هذا الهدي النبوي ما يكفل لناشئتنا محبتهم للعلم وأهله, ويدفعهم للتحصيل دفعا. إن هذا التصرف من رسول الله  حين نوه بأمانة هذا الغلام, والتمس شاة لم ينز عليها الفحل ما يعني أنها يستحيل أن تدر لبنا في العادة دفع الغلام إلى الإيمان وإلى الرغبة في تعلم هذا العلم الذي ساق هذه المعجزة على يد سيد البشرية . ومن معالمه أيضا دعاؤه  لهم بالعلم والفقه في الدين, فإن الدعاء سهم صائب وكونه من الوالدين أو المعلمين أجدى وأدعى للقبول, وهو تأكيد عملي لمدى حرصنا على تعلم أبنائنا ففي المسند ومستدرك الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال : إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِى -‏ أَوْ عَلَى مَنْكِبِى شَكَّ سَعِيدٌ -‏ ثُمَّ قَالَ «‏ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ »‏ .‏وفي هذا المجال أيضا هديه  في تحصين البنين بالأذكار والأدعية من الشرور وغائلة الحسد والعين. ففي البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ. وهو جانب كثيرا ما نغفله مع أنه يؤكد حرصنا على أبنائنا وتوكلنا على الله في حفظهم وتوفيقهم, إن أبناءنا وهم يغادرون بيوتهم لمجالس العلم في أمس الحاجة إلى دعوة خالصة من الوالدين بالتوفيق والفتح والحفظ فلا نبخل عليهم بذلك نسأل الله سبحانه أن يصلحهم ويبارك فيهم ويفتح عليهم بما ينفعهم ويفقههم في دينهم ويحفظهم من كل سوء وبلاء . فاستهدوه يهدكم….

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين أما بعد معشر الأحباب إن في صلاح أبنائنا وتعليمهم إعدادا لجيل بأكمله, وإن خير إعداد لهم ما كان أساسه الاقتداء بسيد البشرية  لذلك فإن هذه المعالم من الأهمية بمكان, وهي كثيرة جدا إنما نسوق منها جوانب تبصرنا بواجبنا تجاه أبنائنا ومن هذه المعالم أيضا تشجيع الطفل على طلب العلم ومخالطة العلماء، ففي حضور الناشئ مجالس العلماء ومن يكبرونه سناً وقدراً تكريمُ له وتوسيعُ لمداركه وتبصيرُ له بأمور الحياة، روى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -‏ رضى الله عنهما -‏ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِىِّ  جُلُوسٌ إِذْ أُتِىَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ فَقَالَ النَّبِىُّ «‏ إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ »‏ .‏ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِى النَّخْلَةَ ،‏ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .‏ ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ ،‏ فَقَالَ النَّبِىُّ  «‏ هِىَ النَّخْلَةُ »‏. والشاهد فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما لم تمنعه حداثة سنه من حضور هذا المجلس, وما أمر رسول الله  بإبعاده منه, ‏ولكن ينبغي على الأبوين تعليمه آداب المجلس وكيفية التخلق فيه فلا يطاول الكبار في مجالسهم أو يتقدمهم بحديث أو كلام. فقد روي مسلم في صحيحه أن سَمُرَة بن جندب  قال: لقد كنت على عهد رسول الله  غلاماً، فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسن مني. وفي هذا المعنى يرد قول الحسن البصري في وصيّته لابنه رحمهما الله : ( يا بني ! إذا جالست العلماء فكن على السمع أحرص منك على أن تقول، و تعلّم حسن الاستماع كما تتعلّم حسن الكلام .)مع أنّ حسن الإصغاء و الاستماع أدبٌ رفيعٌ في حق الكبار و الصغار جميعاً ، و قد أحسن من قال: المتحدّث حالب، و المستمع شارب، فإذا كفيت مؤونة الأولى فأحسن الانتهال منها .وهذا الهدي النبوي هو الذي درج عليه عمر بن الخطاب , وحين عاب عليه بعض الصحابة إحضاره ابن عباس  مجالس كبار الصحابة لقنهم درسا بليغا في ذلك. ففي البخاري عن ابن عباس  قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تُدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله، فقال: إنه ممن قد علمتهم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني فقال: ما تقولون ( إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون) حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا، وقال بعضهم لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً، فقال لي: يا ابن العباس أكذلك تقول؟ قلت: لا ، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فتح مكة، فذاك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ) قال عمر ما أعلم منها إلا ما تعلم. إن الأطفال ليكونوا رجالاً بحاجة إلى يد حانية ترحم وتربي ولكي تكون التربية مؤثرة لا بد أن نشعر أبناءنا بالرجولة والاهتمام بهم وأن نتحمل أخطاءهم لأن هذا أقرب لتربيتهم وكسب قلوبهم . إن صغارنا يحتاجون منا أن ننزل من كبرياء شموخنا المزعوم وأن نبتعد عن الألفاظ البذيئة التي تهدم ولا تبني وإذا أدبنا يجب أن يكون ذلك التأديب مدروساً . إن الصغار لهم اهتماماتهم ولهم حياتهم فمن الخطأ أن نسعى إلى مصادرة ذلك أو نهمش ذلك الدور . وإن الواجب أن ندرك أن هذا الشئ يعني الكثير للأطفال فلا بد إذًا أن نلبي هذه الرغبة وأن نشبعها. وفي ختام هذه الوقفات فإنما نسوق هذه السيرة العطرة لعلنا نحيي بها قلوبنا ونقتفي أثرها ، فبيوتنا تُزهر بالصغار والأطفال الذين يحتاجون إلى حنان الأبوة وعاطفة الأمومة وإدخال السرور على قلوبهم الصغيرة . .. فينشأ الصغير سوي العاطفة سوي الخلق يقود أمة عند ما يصبح رجلاً ــ بإذن الله ــ صنعه الرجال والأمهات بعد توفيق الله تعالى .نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصبيان:05مارس2010

خطبة الجمعة ليوم:19ربيع الأول1431/05مارس2010

تحت عنوان: هدي النبي  في تعامله مع الصبيان3

الحمد لله المبدئ المعيد, المحيي المميت, أحمده سبحانه أدب نبيه فأحسن تأديبه, وأشكره تعالى شرع لأمته دينا قيما, وهداهم صراطا مستقيما, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب كل شئ ومليكه, وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله أسوة أمته في تربية الأبناء وتخليقهم, اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه من صاغتهم تربية خير البشرية, وتولتهم عناية رب البرية, فرضي الله عنهم ورضوا عنه, والتابعين لهم على قويم النهج وأهدى السنن إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله فقد رشد…

أما بعد معشر الأحباب إذا كان الطفل هو رجل الغد ، وأمل المستقبل ، ومرحلة الطفولة هي أهم مرحلة في حياة الإنسان ، حيث تشكل فيها شخصيته بجوانبها المختلفة النفسية والاجتماعية والصحية والجسمية، فقد اهتم الإسلام بالطفل اهتماما كبيرا، حيث أعطى الرسول الكريم  الأجيال نموذجا فريدا في تربية الأبناء وتكوين الأمم .. فجعل  هدفه الأول أن يصنع رجالا لا أن يلقى مواعظ, وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا, وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة .. فصاغ من مبادئ الإسلام شخوصا، وحول إيمانهم بالإسلام عملا، ورسخ القرآن الكريم في صدور الذين آمنوا بمشيئة من الله . وكما اهتم الرسول  بالرجال اهتم بالأطفال، وقد بدأ هذا الاهتمام جليا في توجيهه  الآباء بحسن تربية الأبناء ورعايتهم، والأساس الثامن من الأسس النبوية في تربية الأبناء إعطاء القدوة الصالحة لهم ممن يتولى تربيتهم, ذلك أن الحال أبلغ في تأثيره من المقال, وأن نفوس الأبناء مجبولة على التقليد والمحاكاة.. ولذلك فقد حرص النبي  على أن يظهر المربي أمام من يقوم على تربيته بمظهر القدوة الصالحة في كل قول وعمل حتى ينطبع الولد منذ نشأته على الخير, ويتخلق منذ نعومة أظفاره على الصفات الفاضلة النبيلة، وإننا لنقف على معالم هذا الأساس في هدي المصطفى  توجيها: فقد حث  على الصدق معهم حتى في الإغراء بالعطية, وحذر من أن يكون التمويه عليهم مرسخا لاستحسان الكذب في أذهانهم, ونص على أنه معصية تكتب على صاحبه كذبة يحاسب عليها يوم القيامة, ففي المسند عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أن رَسُولِ اللَّهِ  قَالَ: “مَنْ قَالَ لِصَبِىٍّ تَعَالَ هَاكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فهي كَذْبَةٌ. ولا يخفى عليكم حرمة الكذب والوعيد الشديد للمفترين له مما تضمنته النصوص الشرعية. إن كثيرا من البنين والبنات إنما استحسنوا الكذب وتروضوا عليه فصار اختلاق الكذب عندهم من أهم المسالك لتبرير مواقفهم وتصرفاتهم بما ألفوه من آبائهم وأمهاتهم ومن المربين لهم, حتى ما عادوا يشعرون بتأنيب الضمير ولا يخطر على بالهم أنهم أذنبوا بسبب ذلك. بل صار عند بعضهم عنوان النباهة والذكاء وللأسف. كما حث المصطفى  الآباء والأولياء على التزام العدل بين البنين في الأعطيات والهدايا, وجعله عنوان تقوى الله  فيهم, لما في التمييز بينهم وإظهار تفضيل بعضهم على بعض واستئثار بعضهم على بعض من زرع للحقد والحسد, والعداوة والبغضاء بينهم, بل إن بعض الصحابة أقدم على مثل هذا الفعل فسماه النبي  جورا. ففي البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير (رضي الله عنهم) أن أباه أتى به إلى رسول الله  فقال : إني نحلت ابني هذا ـ أي أعطيته ـ غلاما كان لي .فقال رسول الله : “أكل ولدك نحلته مثل ذلك” ؟فقال : لا. فقال رسول الله : “فأرجعه” وفي رواية : فقال “اتقوا الله واعدلوا في أولادكم “وفي رواية: ” فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْر ” بل إن بعض الروايات لتسوق مقارنة لطيفة بين البر والعدل فقد سأله النبي  قائلا: أَيَسُرُّك أَنْ يَكُون بَنُوك فِي الْبِرّ سَوَاء ؟ قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذَنْ ” وتسمية الرسول  مثل هذا التصرف بالجور والحيف ومجانبة الحق والعدل يؤكد خطورته على نفسية الأبناء, كما يؤكد أنه معصية ومجانبة لمعالم التربية السوية للبنين, وأن ما يترتب عليه من العقوق والبغضاء إنما هو ثمرة سوء التربية وسوء القدوة. وثمرة ضم حق من حقوقهم وقد جاء في الحديث: إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك ». وإنما اختصم البنون وكثر العقوق بمجانبة هدي المصطفى  في التزام العدل بينهم في التقدير والتأديب وفي العطايا والهبات, وفي الاهتمام والرعاية. ونقف على هدي المصطفى  في هذا عملا فما ثبت عنه  أنه مازح الصبيان فمايز بينهم أو وعدهم فأخلفهم. بل تروي كتب السير أنه ما كان يمايز بينهم حتى في الملاطفة والمداعبة: ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  صَلَاةَ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا قَالَ وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي قَالَ فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ. ومن هذه الأسس النبوية أيضا التزام النصح والتوجيه والتربية والتأديب كلما سنحت للمربي فرصة تقويما للاعوجاج وحثا على فعل الصالحات وتحذيرا من فعل الشرور والمنكرات, وهو هدي نبوي حكيم يجب تفعيله في التعامل مع البنين حتى يشبوا على ذلك, فإن المرء لا يدين ربه بعقله, ولا يتخلق بأخلاق الإسلام بطبيعته, إنما يدين ويتخلق بما عودناه عليه وربيناه قولا وقدوة وفقها: وما دان الفتى بحجى ولكن* يعوده التدين أقربوه. ومن نماذج التقويم للاعوجاج ما رواه أبو داود عن أبي رافع بن عمرو الغفاري قال : كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار فأُتي بي النبي فقال : ” يا غلام لِمَ ترمي النخل ؟ قال آكل ، قال : فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها ” ثم مسح رأسه فقال : ” اللهم أشبع بطنه ” وفي رواية للترمذي قال: ” أشبعك الله وأرواك ” .فقد نبه النبي  الغلام في رفق على خطئه بعد أن تبين منه سبب إقدامه عليه, وأرشده  إلى الأصوب في هذا الموقف بأن يتلمس شبع بطنه مما تساقط على الأرض دون إذاية أو طيش, ثم غمره بلطفه واهتمامه حين وضع يده الشريفة على رأسه ودعا له. وإن الغلام ما يزال محتفظا بهذا الموقف من توجيه الرسول  في حب واعتراف ووفاء. ما يؤكد أن تصحيح الخطإ لا يكون بالعنف والنهر والتكشير, أو التسلط بالضرب والرمي بالحجارة والاتهام بالسفه والطيش وسوء الأدب دون أن يوقف الطفل على خطئه, أو دون أن يقدم له البديل من محامد الأخلاق ومحاسن التصرفات, ومن نماذج التقويم للاعوجاج أيضا ما في البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة  قال: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ  وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. وفي رواية أبي داوود: ادْنُ بُنَيَّ… والحديث يعكس اهتماما وملاطفة ورفقا من الرسول  بهذا الغلام الذي كان ابن زوجته وفي حجره, فما ضربه  ولا انتهره, ولا عنفه ولا سفهه, إنما ناداه في لطف وقربه منه, ثم علمه أدب الطعام في عبارات وجيزة رسخت في ذهنه والتزمها أدبا وعملا طيلة حياته. وبمثل هذا الهدي كان الصحابة رضوان الله عليهم يربون أبنائهم: ففي الحلية عن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع قال: رآنى الحكم وأنا غلام آكل من هاهنا وهاهنا فقال لي: ياغلام لا تأكل هكذا كما يأكل الشيطان, إن النبي  كان إذا أكل لم تعد أصابعه بين يديه. وهو الهدي الذي غاب في تعاملنا مع أبنائنا ومن نتولى تربيتهم, أو من نقف على تجاوزاتهم ومخالفاتهم من الصبيان في الشوارع. ومن نماذج الحث على المكارم وصالح الأعمال ما رواه ابن السني عن أبي هريرة  أن النبي  رأى رجلا معه غلام ، فقال للغلام : من هذا ؟ قال : أبي. قال : “فلا تمش أمامه، ولا تستسب له ، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه” . فقد اغتنم رسول الله  فرصة اجتماع الغلام مع أبيه لينبهه على أدب تعامله معه وليوقفه على معالم البر به, إن كثيرا من الأبناء إنما نما عودهم على العقوق لانعدام ناصح أمين يوقفهم على حقوق آبائهم عليهم, وإن لتوجيهات أحباب الأبوين صدى في تربية أبنائهم خاصة إذا كانوا يتمتعون بثقة الأبناء وحبهم, وإن في نصائحهم وتوجيهاتهم جزء من الإصلاح الاجتماعي والوفاء بحق الصحبة, وإننا في أمس الحاجة إلى حمل هم التربية والتوجيه كلما سنحت لنا فرصة. نسأل الله تعالى…

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين….

أما بعد معشر الأحباب إن الحرص على تقويم سلوك الأطفال وحثهم على صالح الأعمال وتحذيرهم من سيئها كان هدي سيدنا رسول الله  في كل أحايينه وما كان صغر سنهم ليحول بينه وبين أن يشملهم برعايته وتربيته, وإن من نماذج تحذيرهم من سيء الأخلاق والسلوكات ما أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كان الفضل بن العباس رديف رسول الله  فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله  يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر”. وهو موقف يتضح فيه حرص النبي  على عفة الشباب وهو يوجه هذا الغلام بطريقة عملية إلى وجوب غض البصر حيث خشى عليه وعلى المرأة من الفتنة التي بدايتها دائما إطلاق النظر. وفي الحديث أيضا توجيه إلى ضرورة الرعاية والمراقبة لتصرف البنين من أجل الوقوف على أخطائهم وتنبيههم عليها والحرص على إصلاحها في رفق ولطف.ومن الأسس النبوية في تربية الأطفال والعناية بهم حرصه  على رعاية مشاعرهم وتقدير خصوصيات أعمارهم حتى تنصهر نفوسهم وفق هذه القيم النبيلة, حتى وإن ترتب على ذلك إيثارهم على من هو أكبر منهم سنا رغم أن التوجيهات النبوية تضافرت على تقدير الكبار وتقديمهم. ففي البخاري ومسلم ( أن رسول الله  أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم، وعن يساره أشياخ ، فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام : والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحدا ففتله ـ أي وضعه ـ رسول الله في يده ).

ونلحظ في هذا الحديث مدى عناية النبي  وتقديره للغلام ، على الرغم من صغر سنه لعلمه  بمدى حاجة الموهوب للتقدير .. هذا التقدير الذي ظهر جليا في ثقة الغلام وشجاعته في الحوار مع الرسول ، وهو تصرف كشف به النبي  للصبي أدب الصغار مع الكبار من خلال استئذانه في تقديمهم, كما أكد له أهمية التيامن الذي هو أدب إسلامي رفيع, وفي ذات الوقت قدر فيه نباهته حين علل الغلام رغبته في الأسبقية استئثاره بنصيبه من رسول الله . ومن تقديره  لخصوصيات أعمارهم ما كان يوفره لهم من فرص اللعب. فقد كان  يلاعبهم مؤكدا أن ذلك معين لهم على نماء عقولهم فقد روي عنه ” عرامة الصبي في صغره ـ أي لعبه وحيويته وقوة حركته ـ زيادة في عقله في كبره ” [ رواه الترمذي في نوادره. ولقد أعطى القدوة لصحابته وأمته من خلال ملاعبته لأبناء الصحابة ، وترويحه عن نفوسهم، فكان  يدخل السرور عليهم ، ويمرح معهم ويستأنس بهم ويشجعهم على اللعب البرئ والمرح المباح. أخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن الحارث  قال : كان رسول الله  يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا أبناء العباس (رضي الله عنهم ) ثم يقول : “من سبق إلي فله كذا وكذا ” قال : فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم. وعن أبي هريرة  قال : كان رسول الله  ليُدلع لسانه للحسن بن علي ، فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش له. وعن أنس  قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: ” يا زُوينب ، يازوينب مراراً )) وعن محمود بن الربيع  قال : ((عقلت من رسول الله  مجة مجها في وجهي من دلو من بئر كانت في دارنا وأنا ابن خمس سنين ))مسلم. كما كان يستقبل ما يبدر منهم من تصرفات برحابة صدر فعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ رضي الله عنها قَالَتْ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :«سَنَهْ سَنَهْ» – وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ – قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، فَالَ رَسُولُ اللَّهِ :«دَعْهَا». ثُمَّ قَالَ:«أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي». وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي  يؤتى بالصبيان فيدعو لهم فأُتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله. ذاك هدي النبي  وهو أشرف الخلق وأكرمهم على الله 

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصبيان:26/02/2010

خطبة الجمعة ليوم:12ربيع الأول 1431/26/02/2010

تحت عنوان: هدي النبي  في تعامله مع الصبيان (2)

الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل, أحمده سبحانه على واسع الفضل وأشكره على العطاء الجزيل, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أثنى في محكم التنزيل على خلق خاتم النبيئين فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله القائل:أدبني ربي فأحسن تأديبي. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أسوة من بعدهم في التربية والتأديب, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى….

أما بعد معشر الأحباب: إن من أبرز ما ينبغي أن نحرص عليه ونحن نستروح نفحات شهر مولد خاتم النبيئين وإمام المرسلين  أن نتلمس معالم هادية من هديه وسيرته تكون مناط الاقتداء, وأساس التقويم والاهتداء, وعنوان المحبة والائتساء, وما تزال صفحات لقائنا مفتوحة على هدي النبي  في تعامله مع الأطفال فلذات الأكباد جيل الغد, زينة الحياة الدنيا وفتنتها, ولئن استوقفنا في اللقاء الماضي نماذج من معالم رحمة المصطفى  بهم, وملاطفته ومباسطته لهم, فوقفتنا اليوم مع محطات تأديبية تقويمية في هديه  معهم نتملى من خلالها معالم التنشئة القويمة والتربية الصحيحة التي تحفظ لهم توازنهم واعتدالهم, وتجنبهم العقد النفسية والانحرافات السلوكية. يقول الإمام الغزالي رحمه الله: ( ممّا يحتاج إليه الطفل أشد الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه ، فإنّه ينشأ على ما عوّده المربي في صغره من حَرَدٍ وغضبة لِجاجٍ وعَجلةٍ وخفّةٍ وهوىًَ وطيشٍ وحدّة وجشع ، فيصعب عليه في كِبره تلافي ذلك و تصير هذه الأخلاق صفات و هيئات راسخةٍ له ، فإن لم يتحرّز منها غاية التحرّز فضحته لابدّ يوماً ما ، ولذلك نجد أكثر الناس منحرفةً أخلاقهم ، وذلك من قِبَل التربية التي نشأ عليها. وقديما قال الشاعر: وما دان الفتى بحجى ولكن**يعوده التأدب أقربوه/و ينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه. إن اهتمام المصطفى  بتربية الأمة منذ فترة الصبى شهادة أكدها الأعداء ونوهوا بها أيما تنويه وقد تملكهم العجب أن يكون رسول الله  القائد للجند والقاضي في المنازعات والمعلم المربي, ورئيس الدولة والأب والزوج يولي الصبيان هذا الاهتمام المتميز, فلا تحول كثرة مهامه ولا رفعة منزلته دون أن تكون له التفاتات صادقة لهذه الفئة العمرية الحساسة التي تحتاج أول ما تحتاج إلى الملاطفة والملاعبة والمداعبة, ويعقدها كل سلوك فظ غليظ أحست معه بالقمع والظلم وعدم الاهتمام والرعاية. يقول وليم موير : “وكان محمد –يعني رسول الله - سهلاً لين العريكة مع الأطفال، لا يأنف إذا مر بطائفة منهم يلعبون أن يقرئهم السلام !”. ويقول لويس سيديو: “لا شي أدعى إلى راحة النفس من عناية محمد [(] بالأولاد. فهو قد حرّم عادة الوأد، وشغل باله بحال اليتامى على الدوام.. وكان يجد في ملاحظة صغار الأولاد أعظم لذة. ومما حدث ذات يوم أن كان محمد [(] يصلي فوثب الحسين بن علي [رضي الله عنهما] فوق ظهره فلم يبال بنظرات الحضور فانتظر صابرًا إلى حين نزوله كما أراد.” ولئن أعجب أولئك بهذا الاهتمام وهذه الرعاية فإنا مأمورون أن نفعلها في سلوكنا وتصرفاتنا, وأن تكون أساس تعاملنا مع أبنائنا ومن أنيطت بنا مسؤولية تربيتهم ورعايتهم. ويقيننا أننا نتعبد ربنا سبحانه بذلك. إن من أبرز محطات التأديب والرعاية التلطف بهم واحترام مشاعرهم ومواساتهم، فقد روى أنه ذات مرة كان  يمشي في السوق فرأى أبا عمير يبكي، فسأله عن السبب فقال له ” مات النغير يا رسول الله ” فظل  يداعبه ويحادثه ويلاعبه حتى ضحك، فمر الصحابة بهما فسألوا الرسول  عما أجلسه معه، فقال لهم ” مات النغير، فجلست أواسي أبا عمير “.وهو موقف يعكس من خلاله سيد البشرية مسؤولية المجتمع كله والمربين منهم على وجه الخصوص عن دفع الحزن عن الصبيان والسعي في إسعادهم وكفكفة دموعهم وتجنيبهم أسباب الحزن في غير مقام التأديب, وليس ثمة أحد أشرف عند الله من سيد البشرية  ونحن نقف معه هذا الموقف الذي أجلسه في السوق مواسيا هذا الصبي الذي فقد فرخ طائر كان أنيسه, فما فارقه  حتى أضحكه وأذهب حزنه. وإذ يستغرب الصحابة رضوان الله عليهم جلوسه في هذا المكان فإنه يكشف عن هذه الرسالة التربوية لأمته إلى أن تقوم الساعة:مسؤولية أفراد المجتمع على اختلاف مشاربهم وتباين مراكزهم عن هذه الوقفات التربوية: ” مات النغير، فجلست أواسي أبا عمير. أو يفعلها أحد منا مع بنيه فضلا عمن لا تربطه بهم. تلك هي التربية لمن يحمل همها, وذاك هو السمو لمن يتلمس معالمه. ومن أبرز معالمها أيضا تسليمه على الأطفال فقد كان من هديه  إذا مرّ على الصبيان في الطريق سلَّم عليهم. حَدَّثَ أَنَسٌ  أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ” إن طينة الصبيان عجينة في طور التشكل, والمربون والأولياء وأفراد المجتمع كلهم يسهمون في هذا التشكل, وكلهم يجني بعد حين ثمرات هذا التشكل؛ فإما تشكل يثمر أدبا وتقديرا واحتراما, وإما تشكل يثمر طيشا وفظاظة سفها وتطاولا, وإن مجتمعا غاب فيه إفشاء السلام بين الكبار لا يرقى لتربية الأطفال على هذه الشعيرة الدينية وهذا الخلق التربوي الذي يأتي وصية إلهية: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها…, وهديا نبويا فقد كان أول ما بدأ به توجيهه بعد هجرته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ./ابن ماجة عن عبد الله بن سلام/. بل إنه  ليقسم أن إفشاء السلام عنوان الحب المدخل للجنة. ففي صحيح مسلم وسنن أبي داوود واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ. وإنه  ليرجع غياب إفشاء السلام إلى ما يمتلئ به القلب من الأشر والبطر, والكبر والعجب:ففي المسند عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَفْشُوا السَّلَامَ تَسْلَمُوا وَالْأَشَرَةُ أَشَرُّ. وأي خير يرجى وأي تربية تنتظر من قلب ملؤه الكبر والبطر. ولست أدري ما الذي ينقص من قدر المرء إذا هو بش في وجه إخوانه وبش وأقرأهم السلام, وأي خير يرجى فيمن يتكبر على رد السلام فلا يرضى من إخوانه أمانهم ولا عنوان إيمانهم. ومن أبرز معالمها أيضا التأكيد على عدم غشهم أو الكذب عليهم، ومما جاء في ذلك حديث عبد الله بن عامر ، قال: ” دعتني أمي ورسول الله  قاعد في بيتنا فقالت: ها تعال أعطيك” فقال لها : ” ما أردت أن تعطيه؟” قالت ” أعطيه تمرا”، فقال لها: ” أما أنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة”. فالكذب على الطفل يفقده ثقته بأبويه ويعطيه شعورا بالاغتراب فينصرف عن الاستماع إليهما ويعمد إلى تقليدهما بالكذب. إن الكذب يتنافى وحقيقة الإيمان, وربنا سبحانه يقول: إنما يفتري الكذب الذين لا يومنون بآيات الله.. ورسول الله  يحذرنا من الكذب لما له من عواقب وخيمة ففي الموطإ وصحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً. ولئن كان للكذب انعكاساته السلبية على الثقة بين أفراد المجتمع فإن الأخطر من ذلك أن تتشكل على أساسه طينة جيل يصير ديدنه وأساس تعامله. وتلك هي المصيبة العظمى, والأشد خطرا أن يكون دافع ملازمته اقتداء بأب أو مرب. لذا جاء هذا التحذير الشديد من سيد البشرية  لهذه الأم التي تحسب تصرفاتها في التشكيلة الأساسية لبناء المنظومة الأخلاقية لابنها. وإن هذه الوقفات التربوية من الهدي النبوي إنما تساق لتدركوا –معشر الأحباب- البون الشاسع بين الأسس التربوية للأطفال في هدي خير البرية وبين ما آل إليه مجتمعنا الذي تكاثرت شكاياته من الجيل الذي تشكل سلوكاته تصرفاتهم, وتبني لبنات أخلاقه تربيتهم وتوجيهاتهم, فلنعد باللائمة على أنفسنا قبل أن نلوم غيرنا, ولنعد النظر في حساباتنا متلمسين معالم التربوية من هدي خير البرية ما نقوم به أخلاقنا ونربي على نهجه أبناءنا وناشئتنا. نسأل الله تعالى أن ……

الخطبة الثانية:

الحمد لله الآمر بالعدل والإحسان, أحمده سبحانه على نعمة القرآن, وأشكره على ما حبا به نبيه وحبيبه من وظيفة البيان, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له

أما بعد معشر الأحباب إن من أبرز محطات التأديب والرعاية للأطفال تعزيزه – - للطفل الصادق وتقريبه والثناء عليه: فلما نزل القرآن، مصدقًا لكلام عمير بن سعيد، عندما قال قول الصدق والحق في رجل شتم النبي ، أخذ النبي  بأذنه فقال له- وهو يُحَيِّيه على الصدق- : ” وفت أذنك يا عمير.. وصدّقَكَ رَبُكَ” وأصل القصة ما كان من المنافقين حين نزلت آيات القرآن فاضحة لخبث سرائرهم كاشفة لدسائسهم قال الجلاس بن سويد : والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير فسمعهما عمير بن سعد فقال : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثراً ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ولإحداهما أشد علي من الأخرى فمشي إلى رسول الله  فذكر له ما قال الجلاس فحلف بالله تعالى ما قال ولقد كذب عليّ عمير فنزلت : يحلفون بالله ما قالوا . إن التثمين لمكارم الأخلاق ومحاسنها مما يصدر من أبنائنا من شأنه أن يرسخ في أذهانهم محبتها وملازمة التحلي بها, وإن من أنبل مكارم الأخلاق وأجلها خلق الصدق الذي هو وصية الله للمؤمنين:ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. ووصية رسول الله  لأمته:عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر… وإن ملازمة الصدق مع الأبناء وإقامة سلوكهم على ذلك من شأنه أن يجنبهم كثيرا من الانزلاقات ويبعدهم عن الحيل ويعزز الثقة بينهم وبين مربيهم. ومن أبرز محطاتها أيضا التأديب بلطف مع بيان السبب، فعن أبي هريرة  قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله : ” كخ، كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟”. ومن شأن زجر الطفل عن أمر مع بيان سبب الزجر أو التعنيف والتأديب مع بيان سبب ذلك من شأنه أن يكسب الطفل اقتناعا بذلك وتركه مع اليقين بأن في تركه الخير. كثيرا ما نغيب في تأديبنا وزجرنا لأبنائنا سبب الزجر والتأديب فيبقى الطفل في حيرة من أمره. ما الداعي لهذه الشدة؟ وربما دفعه ذلك إلى الإحساس بالإهانة والاحتقار, ويربي في قلبه حقدا دفينا تجاه المربي, والأخطر من ذلك أن يدفعه إلى الرغبة في الانتقام. فما أشد احتياجنا إلى تفعيل هذه الأسس التربوية النبوية الحكيمة مع أبنائنا وناشئتنا ما نضمن به اقتداءنا بسيد البشرية , وتوازنا في شخصية الناشئة من البنين, ونجاحا في مهامنا, وذرية صالحة تتكون خير خلف لنا. إن الهدي النبوي مدرسة متكاملة المناهج، ثابتة المبادئ، راسخة الأصول في التربية والتنشئة الصالحة. فلنتخذها معلما تربويا في تعاملنا نسأل الله  أن …

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الصبيان:19فبراير2010

خطبة الجمعة ليوم:19فبراير2010/5ربيع الأول1431

تحت عنوان:هدي النبي  في تعامله مع الصبيان(1)

الحمد لله الممتن على عباده بواسع النعم وعظيم الأفضال, أحمده سبحانه خصنا بأوفر حظ وأعظم نوال, وأشكره جل وعلا أكرمنا بأن جعلنا من أمة خير الأنام, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ياأيها النبئ إنا أرسلناك شاهدا… وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله قدوة أمته وأسوتها في جميع شؤونها. اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الأبرار وصحابته الأخيار والتابعين لهم ما تعاقب الليل والنهار. من يطع الله ورسوله فقد رشد…

أما بعد معشر الأحباب يطل علينا شهر مولد الرسول الأكرم والنبي الأعظم في أبهى حلله لنفتتح من خلاله أياما مفتوحة على سيرته وشمائله ما ننمي به محبته في قلوبنا, ونتبين معالم عظمته فنزداد تعلقا به, ونترسم معالم القدوة من خلال هديه وشمائله لنتخذها نبراسا لحياتنا. إن ذكرى ميلاد الرسول  من أهم المحطات التي ينبغي لأمة الإسلام أن تراجع فيها صلتها بهدي نبيها, ومدى تعرفها على شخص رسولها, وحجم تحققها بأمر الله :لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة…. ولئن تعددت مجالات القدوة ومعالم الاقتداء فإن وقفاتنا هذا العام بإذن الله تعالى سترتكز على فئة من المجتمع أولاها النبي  عناية فائقة لما يعلق عليها من الآمال, ولما تتميز به من خصائص, ولامتنان الله سبحانه على عباده بها, وللأوامر الإلهية والنبوية التي جاءت محذرة من التفريط والتقصير في مسؤولية المجتمع تجاهها. إن نعمة الأولاد والبنين من أجل النعم وأعظمها, ولن يدرك قيمتها إلا من حرمها, لذلك يأتي الامتنان الرباني على بني إسرائيل بهذه النعمة محذرا لهم من عاقبة الكفران: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. وإذ يذكر نبي الله نوح  قومه بنعم الله السابغة عليهم يخصص من هذه النعم نعمة البنين: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا. ويحذر ربنا سبحانه من الاقتتان بها والتعلق بها لحد التفريط في حق الله سبحانه ما يدفع للخيانة خيانة الدين وخيانة الأمة وخيانة العرض وخيانة الأمانة فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. يقول بعض المفسرين: يحذّر الله هنا من شهوة النفس في الحرص على المال والولد ، ذلك أن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الألباب ، فلا تغلِّبوا أيها المؤمنون محبة المال والولد على محبة الله تعالى. وانتدبنا لنأخذ بحُجَز أهلينا عن النار فقال: ( قوا أنفسكم و أهليكم ناراً ) ، وذلك من حقّ أهلينا علينا، و تمام رعايتنا لهم، و كلنا راع ومسؤول عن رعيته كما في الحديث .إن رسول الله  بين فضل البنين وأرسى من خلال هديه كيفية التعامل مع هذه الفئة العمرية, مؤكدا على ضرورة العناية بها والرعاية لها ما يضمن لها التنشئة القويمة ويحفظ لها مشاعرها وينمي فيها مواهبها. وتتنوع مجالات الاهتمام والرعاية من خلال الهدي النبوي في تربية الأطفال والعناية بهم لتضعنا أمام منظومة متكاملة تجمع بين الرحمة والتأديب, وبين الملاطفة والتقويم, والتعليم والتربية. إن من أبرز سمات الهدي النبوي مع هذه الفئة تلك الرحمة التي غمر بها قلب النبي  تجاهها فكان للأطفال حظ وافر من رحمة النبي  وهو خاتم الأنبياء وإمام المرسلين وقدوة الداعين. وهي رحمة انعكست على لسانه ثناء ومحبة حين سئل عن أحب أهل بيته إليه فأجاب :الحسن والحسين. وكان يطلب من ابنته فاطمة رضي الله عنها أن تحضرهما إليه فيضمهما. وكان يحمل الحسن على عاتقه ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه. وانعكست على تصرفاته  فما كان يخفي هذا الحب وهذه الرحمة على أحد, بل كان يعنف على من انعدمت معالم هذه الرحمة في قلبه. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله  قبل الحسن والحسين وعنده الأقرع بن حابس, فقال الأقرع بن حابس:إن لي عشرة ما قبلت أحدا منهم قط. فنظر إليه النبي  ثم قال:من لا يرحم لا يرحم. وهذه النظرة منه  تعكس تعجبه من قلب سلب رحمة البنين ومحبتهم, كما تعكس إنكاره على القلوب التي امتلأت قسوة وشدة فغاب من قاموس تعاملها ملاطفة البنين ورحمتهم, وفيها توجيه نبوي إلى أهمية الرقة واللين مع البنين وإظهار ذلك لهم سلوكا لأن الأقرع بن حابس ما ادعى عدم محبته للبنين, إنما غيب مظاهر هذه المحبة في تصرفاته معهم ومعاملته لهم. بل جاء في الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن أعرابيا جاء إلى النبي  فقال: إنكم تقبلون الصبيان وما نقبلهم. فقال :أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك. فجعل  تقبيل الصبيان علامة وجود الرحمة في القلب. وانعكست هذه الرحمة منه  سعيا في إدخال السرور عليهم فكان يخصهم بباكور الثمر حين يؤتى به إليه.ففي الطبراني عن ابن عباس  أن النبي  كان إذا أوتي بباكورة الثمر وضعها على عينيه ثم على شفتيه وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان. وانعكست هذه الرحمة منه  تفقدا لهم على بعدهم منه فقد كان ابنه إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة عند رجل حداد, فكان يصطحب معه بعض أصحابه ليزور ابنه عنده. فعن أنس  قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، فكان يأتيه (ونجئ معه) فيدخل البيت وإنه ليدخن قال: وكان ظئره قينا فيأخذه فيقبله. وانعكست هذه الرحمة دمعا يسيل على خده الشريف وهم يجودون بأنفسهم.ففي الصحيحين أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ  إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. وفي البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ  فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ  تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ  وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ  إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. ومن رحمته بهم شفقته عليهم حتى وهو في قربة من القربات. فقد كان  يكبر للصلاة فيسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها ويخفف رحمة به وبأمه. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك : أن النبيَّ  قال : «إني لأدخلُ في الصلاة وأنا أُريدُ أن أطيلَها ، فأسمعُ بكاءَ الصَّبي فأتجوَّزُ في صلاتي ، مما أعلمُ من شِدَّة وجّدِ أُمِّه من بكائه». وينزل من على المنبر لما رأى بنيه يتعثران في ثوبهما: عن بريدة قال: كان رسول الله  يخطبنا فأقبل حسن وحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ويقومان، فنزل رسول الله  فأخذهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله “إنما أموالكم وأولادكم فتنة” رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته. وهي رحمة تزدحم في قلب الرسول الله  رغم ما أنيط به من مهام فهو  قائد الجند في المعارك, وهو المبلغ عن الله وهو القائم على شؤون أمته, وهو القاضي في المنازعات والخصومات وهو المعلم والمربي… وغير ذلك من المهام التي أنيطت وما حالت هذه المهام كلها بينه وبين أن يولي الصبيان عموما وأهل بيته منهم خصوصا بهذه الرحمة الفياضة حتى لا يجد مدع عذرا في قساوته وغلظته, وفي تفريطه وتقصيره, أسأل الله سبحانه..

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إنعامه, والشكر له على إكرامه, أمرنا بالرفق في كل شؤننا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من أثنى على رسوله لرفقه ولينه فقال: فبما رحمة من الله لنت لهم, وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, قدوة أمته في ملاطفة الصبيان والرحمة بهم اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أسوة المربين والسالكين, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد معشر الأحباب إن مظاهر عنايته  بالأطفال ملاعبته لهم وملاطفته لهم, وهي سمة تجلت في كثير من مواقفه التي شهدها صحابته رضوان الله عليهم ففي الطبراني عن يَعْلَى بن مُرَّةَ، أَنَّهُمُ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  إِلَى طَعَامٍ دُعُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ مَعَ صَبِيَّةٍ فِي السِّكَّةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  أَمَامَ الْقَوْمِ، فَشَبَّكَ يَدَيْهِ فَطَفِقَ الْغُلامُ يَقَعُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَيُضَاحِكُهُ رَسُولُ اللَّهِ  حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ وَالأُخْرَى فِي فَأْسِ رَأْسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ:حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ. وفي البخاري عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ  أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا. وعن جابر قال: دخلت على النبي  وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما فقلت: نعم الجمل جملكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونعم الراكبان هما. وفي رواية: دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وهو يمشي على أربعة وعلى ظهره الحسن و الحسين رضي الله عنهما وهو يقول : نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما ونماذج مباسطته وملاطفته للصبيان كثيرة جدا مما حوته كتب السير والشمائل تؤكد ما كان يجده الصبيان من انبساط وملاطفة. والرحمة والانبساط والملاطفة من أبرز الأسس التربوية والصحية للأطفال لما تتميز به هذه المرحلة العمرية من حياتهم. وهي معالم جانبت الصواب في كثير من تعاملاتنا إلى إفراط أو تفريط نتج عنه تهور أو عقد نفسية أو عنف وعدوان في أولى مراحل ومحطات الجيل, وإن الرحمة والملاطفة والمباسطة جانب من منظومة تربوية متكاملة في هدي الرسول  في تعامله مع الصبيان ما يرسم للمربين منهجا واضح المعالم يضمن لمن يراعيه التنشئة القويمة المتكاملة للأبناء. إن هذا الجانب تحتاج الأمة إلى تفعيله في تعاملها مع الصبيان ويتأكد في حق الآباء والمربين, وإن في تفعيله اقتداء بهدي سيد البشرية, وتمسكا بمنهج تربوي سليم, وانتهاضا بواجب المسؤولية الملقاة على عواتقنا. نسأل الله

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>