خطبة الجمعة ليوم:4شعبان1431/ 16جويلية2010
تحت عنوان:رحلة المعراج: الأحداث والدروس/فضل شعبان
الحمد لله الذي أكرم نبيه بباهر المعجزات, وخصه بالدنو إليه فوق سبع سماوات, أحمده سبحانه تجلى على أمة الإسلام بواسع الرحمات, وأشكره خصها بحفظ ما أوحى لها من الآيات البينات, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الممتن على نبيه بكرامة المعراج والدنو من حضرة قدسه وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, نبي قربه إليه ربه وأدناه فكان قاب قوسين أو أدنى, وأراه الآيات الكبرى فما زاغ البصر وما طغى, وكلمه دون واسطة فأوحى إليه من البيان ما أوحى, وعلى آله الأتقياء, وصحابته الأوفياء, وتابعيهم على قويم النهج وسبيل الهدى إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله ...
أما بعد معشر الأحباب ما تزال وقفاتنا متواصلة مع الإكرام الرباني لسيد البشرية بمعجزة الإسراء والمعراج, ولئن استوقفتنا في اللقاء الماضي الرحلة الأرضية وما اكتنفها من الأحداث, وما تضمنته من الدروس والإيحاءات فإن وقفتنا اليوم مع الرحلة السماوية وما فيها من الإكرام والإنعام, والإجلال والإعظام. إن رحلة المعراج كانت انطلاقا من المسجد الأقصى الذي هو نهاية الرحلة الأرضية ما يعني أهمية هذه الحلقة, وقدسية هذه الأرض المباركة التي كانت قبلة الأمة طيلة المرحلة المكية, وسبعة عشر شهرا من المرحلة المدنية, فالأقصى أولى القبلتين, وهو ثالث المساجد المباركة التي خصت بمضاعفة الصلاة فيها, وبالندب إلى شد الرحال لرحابها, هي قدسية أكدها كونها منطلق رحلة السماء, كما أكدها اجتماع الأنبياء عليهم السلام ليؤمهم خاتم النبيئن في رسالة صريحة للبشرية أجمعين, ولأصحاب الديانات السماوية السابقة أن أنبياء الله ورسله وفوا بالميثاق الذي أخذ عليهم لئن بعث خاتم النبيئين وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه, قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) وفوا بالميثاق المأخوذ عليهم باقتدائهم به في الصلاة, وأقاموا الحجة على أتباعهم أن لا دين ولا ملة إلا دين الإسلام وملته بعد بعثته. وصدق الله العظيم: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قدسية تتجلى من خلالها مسؤولية الأمة على هذه الأرض المباركة التي تئن اليوم تحت خبث اليهود ومكرهم, وتتهاوى بنايتها مع حفريات الصهاينة وإجرامهم, وتطمس معالمها تحت جرافاتهم, ويجبر أهلها ومالكوها من الموحدين من مغادرتها مكرهين بعد أن يجردوا من ممتلكاتهم وتهدم تحت أنظارهم بيوتهم, وتزور وثائق الملكية لأعدائهم: وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد... إن التهديد للمسجد الأقصى, هو تهديد للمسجد الحرام وأهله، وإن النيل من المسجد الأقصى توطئة للنيل من المسجد الحرام، فهو بوابة الطريق إلى المسجد الحرام، وزوال المسجد الأقصى من أيدي المسلمين, ووقوعه في أيدي اليهود يعني أن أنظار الأعداء اتجهت إلى المسجد الحرام. إن الصراع بيننا وبين اليهود صراع عقيدة وهوية ووجود. قال تعالى:(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) وقال سبحانه (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.ولئن كان يهود الأمس سلفا سيئا فيهود اليوم خلف أسوأ، كفّار النعم، محرّفوا الكلم، عُبّاد العجل، قتلة الأنبياء، مكذّبوا الرسالات، خصوم الدعوات، شذّاذ الآفاق، حثالة البشرية (من لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل), ولا استغراب أن يتنفس حقدهم وخبثهم عن هذا العداء المقيت, وعن هذه التصرفات الهمجية, إنما العجب من أمة ورثت عن نبيها قدسية الأرض المباركة, ووحي الله يدوي فيها, والتاريخ شاهد عليها, وصيحات المستضعفين المظلومين المقهورين تستنجد وتستغيث ولا مجيب, وهي غافلة لاهية وكأن الأمر لا يعنيها, وكأن كرامة الإسراء والمعراج لم تكن بنبيها.. كانت التهيئة لهذه الرحلة بإمامة الأنبياء تأكيدا على الوفاء, وكان اختيار اللبن تأكيدا على أن دين الإسلام دين الفطرة التي فطر الله البشرية عليها, والدين الخاتم والمهيمن الذي يحقق صلاح العباد في العاجل والآجل. ليودع سيد البشرية موكب المصطفين من البشر ممن أمهم من الأنبياء والرسل إلى موكب الملإ الأعلى حيث المطية المعراج: لم ير الخلق أحسن منه, له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب. منضد باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة، وحيث الرفيق أمين وحي الله جبريل . وحيث الأبواب المفتحة أبواب السماوات السبع, وحيث البوابون ملائكة السماوات, وحيث المستقبل في كل سماء رسل الله آدم في الأولى, وابنا الخالة:عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا في الثانية, ويوسف في الثالثة, وإدريس في الرابعة, وهارون في الخامسة, وكليم الله موسى في السادسة, وأبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم في السابعة كل يحيي بأفضل تحية ويرحب أكرم ترحاب قائلا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فنعم المجئ جاء. ترحاب يعكس مقام المرحب به في الملإ الأعلى, حتى إن كليم الله موسى لتتملكه الغيرة فتسبقه دموعه حين غادره فقيل له: ما يبكيك ؟ فقال: أبكى لان غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل الجنة من أمتي، ويزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله. وإن رسول الله ليرى بين يدي أبي البشرية آدم أسودة فيسأل عنها مرافقه جبريل فيجيب: هذه نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، وأهل الشمال منهم أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخله من ذريته بكى وحزن. فكونوا معشر الأحباب ممن يضحكه بالتقوى وملازمة الطاعات, لا ممن يحزنه من أهل الفجور والفسق والمنكرات. وينقل لنا سلام خليل الرحمن إبراهيم :(أقرئ على أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها ؟ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). فياسعادة من أكثر من غراس الجنة, واتخذ من وصية خليل الرحمن وردا يوميا يهيئ به نزلا طيبا في جنات النعيم. ويتجاوز الموكب الأنبياء ليرفع إلى سدرة المنتهى، حيث ينتهي ما يعرض من الأرض فيقبض منها، وما يهبط من فوق فيقبض منها. وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. وإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها كآذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة, على كل ورقة ملك، تغشاها ألوان لا يدري ما هي، فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها تغيرت, فما يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها. فتأخر جبريل، ثم عرج به حتى ظهر لمستوى سمع فيه صريف الأقلام. ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وكان الإكرام بالكلام والرؤية والكشف لصفحات من غيب الله مما الله به عليم. وكانت هدية السرور من هذه الرحلية القدسية المباركة أن فرض عليه وعلى أمته خمسون صلاة في اليوم والليلة, وبمراجعة موسى صارت خمسا في الأداء خمسين في الأجر, ونادى منادي الجبار جل جلاله وقد استحيا المصطفى من المراجعة فرضي وسلم: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا. وفي رواية: " لَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ , هِيَ خَمْس , وَهِيَ خَمْسُونَ فِي الْأَجْر " هدية عاد بها سيد البشرية مستبشرا, وعلى ملازمتها حاثا, وهي معراج أمته روحا إن أكرم هو بالمعراج بدنا وروحا, هي عمود الإسلام, وهي أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة, وهي فيصل ما بين الشرك والإسلام, وهي وصية رسول الله في آخر عهده بالدنيا, فيافوز من أكرمه الله بالمحافظة عليها, وياخيبة وخسارة من ضيعها وفرط فيها, ولو لم يكن للمسجد والجماعة إلا التقاء الأنبياء وإمامة الرسول لهم بالمسجد الأقصى لكفى ذلك حضا على عمارة المساجد وملازمة الصلوات فيها. فيامن ابتليتم بهجر المساجد, والتهاون بالصلاة اتقوا الله في هديته لكم, واحفظوا رسول الله في وصيته, ولله در من قال منوها برحلة المعراج: ولقد دنا من ربه لما دنا * في ليلة المعراج والإسراء/ سمع الخطاب بحضرة قدسية * ما حلها بشر من العظماء/ وبرؤية الجبار فاز ويا لها *من نعمة عظمت على النعماء/ ما نال موسى والخليل ومجتبى * ما نلته يا سيد الشفعاء/ يا كنز مفتقر وملجأ عائذ * يا أفضل الأجواد والكرماء/ أنت الوسيلة للإله فسل لنا * عفوا عن الزلات والأهواء/ ودخولَنا الجنات أول وهلة * وشفاعة للمفسد الخطاء/ بك نستغيث ونستجير ونلتجي * من ذي البلاء وفتنة الأهواء/ ونروم فضلا من جنابك سيدي * وشفاعة يا سيد الشفعاء/ فإليك ساق (الله) سحب صلاته * وجزاك رب الناس خير جزاء/ وعلى صحابتك الرضى متعددا * والآل والأتباع والعلماء/والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ذي لجلال والإكرام, والطول والإنعام أحمده سبحانه حمدا يوافي ما تزايد من النعم وأشكره على ما أولانا من الفضل والكرم, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله, من كان يستقبل شعبان بطلب المباركة فيه والتوفيق لإدراك رمضان, اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الكرام البررة, وصحابته الهداة الخيرة, والتابعين لهم ممن أراد الله والدار الآخرة إلى يوم الدين. أما بعد إخوة الإيمان: إن لنا في ما يستقبلنا من الأيام وما نتفيأ ظلاله من الأشهر نفحات ربانية وتجليات إلهية كشفت لنا حجبها نصوص السنة النبوية, وندبتنا لاغتنامها توجيهات نبينا القولية وممارساته العملية, وإن في الوقوف على هذه التوجيهات تذكيرا لنا بحرمة الزمن الذي نعيشه, وترغيبا في التعرض لنفحات الله فيه. إن أيامنا هذه ختام لشهر من الأشهر الحرم, وفاتحة لشهر شعبان: شهر كله متميز من أشهر العام، كان رسول الله يحفل به بعد شهر رمضان كما لم يكن يحفل بأي شهر من شهور العام، شهر ترتفع فيه الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى كما قال ، هو الشهر الذي يرحم الله فيه المسترحمين، ويغفر لعباده المستغفرين، شهر يعتق الله سبحانه وتعالى فيه أعداداً لا يحصيها إلا هو من النار, ولهذه الخصائص وغيرها كان لشهر شعبان في حياة الرسول مكانة خاصة ولبرنامجه التعبدي بصمات خاصة كشفت عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه البخاري: كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان. وفي حديث أنس : (ما كان يحرص على صيام قط مثل حرصه على صيام شعبان). وشدت انتباه الصحابة رضوان الله عليهم فجلى لهم السر في ذلك. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه سأل النبي فقال: يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم في شعبان، فقال : ( ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ). قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، فحري بنا أن نعظمه وأن نكثر من العبادة والاستغفار والتلاوة فيه تماماً كما جاء وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسنته, نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من البغضاء والشحناء والحقد والحسد وأن يرزقنا سلامة القلب وسعة الصدر ووافر الصبر ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
|