إحصائيات

عدد اعضاء الموقع : 2
محتويات الموقع : 237
زيارات مشاهدة المحتوى : 8197
يوجد حاليا 2 زوار المتواجدين الآن بالموقع
الإسراء والمعراج:01أوت 2008م

خطبة الجمعة ليوم:01أوت 2008م/30رجب 1429هـ

تحت عنوان:من إيحاءات الإسراء والمعراج*ثمن الثبات في الشدائد

الحمد لله مفرج الهموم ومنفس الكروب أحمده سبحانه وعد المتقين بأن يجعل لهم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكرم عباده المؤمنين الصادقين بالثبات في الشدائد والمضائق, وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله من أكرمه ربه بالمعراج حين ضاقت بدعوته الأرض, وساق إليه الجن منصتين مؤمنين بعد أن جابهه أهل الطائف بالصدود والإعراض اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته الطاهرين المطهرين القانتين المخبتين والتابعين لهم على قويم النهج وأهدى السنن إلى يوم الدين, من يطع الله ورسوله.....

إن في إيحاءات حادثة الإسراء والمعراج دروسا في العقيدة ودروسا في السلوك ودروسا في الأخلاق, ودروسا في التشريع. وهي دروس أمة الإسلام في أمس الحاجة إلى تلمسها والوقوف عليها والاستفادة من هديها وأسرارها, ولعل من أهم هذه الدروس ذلك الدرس الذي عكس فيه رسول الله  ثباته على الانتهاض بواجب الدعوة لدين الله  مهما تكن القوى التي تعترض سبيله والتي تريد أن تحول بينه وبين هذه المهمة ما دام رضى الله يشمله وعناية الله تحوطه وتأييد الله حظه. إن نبينا  جابه عمه أبا طالب وقد جاءه سادات قريش يهددون ويتوعدون لئن لم يرغم ابن أخيه على ترك ما جاء به من سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم لينازلنه حتى يهلك أحد الفريقين. فتسرب الرعب والفزع لقلب أبي طالب وسأل النبي  أن لا يكلفه ما لا يطيقه, فظن رسول الله  أن عمه خاذله وأنه ضعف عن نصرته فصاح في وجهه: والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. إن يقين رسول الله  أن المشركين ما كانوا ليصلوا إلى الشمس فينتزعوها ليهددوه بها ولا إلى القمر فينتزعوه حتى يهددوه به, لكن أراد أن يصور لعمه حجم ثباته على مبدئه ومدى سعيه في الانتهاض بواجبه الرسالي وبأن أي قوة مهما عظمت وأي عقبة مهما اشتدت وصلبت لن تستطيع أن تقف في وجهه ما دام الله سبحانه راضيا عنه وما دام مساره صحيحا, وذلك مبدأ يؤكده رسول الله  عمليا حين يتوجه إلى الله سبحانه بالضراعة معترفا بضعف قوته إن لم تجد سندا من الله, وقلة حيلته إن لم تكلل بتوفيق من الله, ويشكو ربه هوانه على الناس إن لم يجعل له مما هو فيه فرجا ومخرجا, ويؤكد في هذا الدعاء أنه لا يحزنه ما يصيب جسده من الأذى ولا ما يلاقيه من العنت والصدود, إنما يخشى أن يكون ذلك نتيجة غضب الله عليه ومتى استوثق رضى الله عنه فلن يبالي بسخط جبار ولا بصدود معرض ولا بتسلط ظالم: *إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي* وإن ربنا سبحانه ليسوق لرسوله في هذه الرحلة المعجزة أنموذجا من نماذج الثبات على المعتقد والتمسك بالمبدإ مهما كلفه ذلك حين مر على قبر ماشطة ابنة فرعون فانبعثت منه رائحة طيبة تجاوزت أنفه  حتى تملكت عليه قلبه فسأل جبريل عنها فكان الجواب ما جاء في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا وَجَدْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ بنتِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تَمْشُطُ بنتَ فِرْعَوْنَ إِذْ سَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ بنتُ فِرْعَوْنَ: أَبِي فَقَالَتْ: لا وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرَ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَأُعْلِمُهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَعْلَمَتْهُ فَدَعَا بِهَا، فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَخَذَ أَوْلادُهَا يُلْقُونَ فِيهَا وَاحِدًا وَاحِدًا، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَتَدْفِنَّا جَمِيعًا، قَالَ: وَذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا، فَلَمْ يَزَلْ أَوْلادُهَا يُلْقُونَ فِي الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ابْنٍ لَهَا رَضِيعٍ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجَلِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهِ، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. إن الماشطة -إخوة الإيمان- امرأة على ما جبلت عليه من ضعف ورقة قلب, وإنها لتفتن في دينها من قبل جبار طاغية استعبد البشر والحجر, وعثا في الأرض فسادا حتى إن ربنا سبحانه أكد له هذا الوصف في محكم التنزيل: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }القصص4 وسلط سيف انتقامه على كل قوة أرادت أن تقف في وجهه حتى إن ربنا سبحانه حين أرسل إليه كليمه موسى وأخاه هارون عليهما السلام: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى }طه45 لنستبين الرعب الذي ملأ به قلوب رعيته, بل هو الذي تجرأ على الله  فقال: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ{36} أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ{37 وإن فرعون ليهدد المرأة في أعز ما عنده في فلذات أكبادها وإن المرأة لتتحمل الأذى في جسدها لكنها تضعف وترق عندما يؤذى أولادها, لكنها الآن بين عقيدة راسخة رسوخ الجبال في قلبها وبين عاطفة الأمومة, وما كان لها أن تستبدل دينها بالكفر مهما كلفها ذلك, وإن العذاب الذي سلط على بنيها لتتفطر له القلوب وتقشعر منه الجلود وتذوب معه القوى إن لم يواجه بعمق الإيمان ورسوخ المعتقد واليقين في أن غاية ما يقدر عليه هذا الجبار وأضرابه من الجبابرة أن يعذب جسدا عذابا آنيا نهايته الموت ليرفع الله صاحبه إلى عليا الجنات في نعيم مقيم, وحتى حين أرادت عاطفتها أن تغلب عقلها ساق الله لها من التثبيت ما أنطق الرضيع بكلام فصيح يؤكد لأمه أنها على الحق ويحثها على الثبات. وإن نبينا  ليخبر من قبل جبريل  بهذه الواقعة بعد أن قدم أروع المواقف في الثبات وهو يؤذى في أزقة مكة المكرمة, وهو محاصر في الشعب, وهو يعود أدراجه من الطائف وقد سالت دماؤه الطاهرة على الأرض من وقع الحجارة التي رمي بها, وهو يواجه الصدود والإعراض والاتهام بما هو منه براء, وهو يبصر صحابته بين ميت تحت وطأة التعذيب, ومغمى عليه من شدة ما كوي بالنار, وفاقد لصوابه من شدة ما جر في رمضاء مكة في شدة الحر, وفاقد لأعضاء من جسده بسبب الضرب والتعذيب. تساق إليه هذه القصة وهو ينعم بإكرام الله في هذه الرحلة المباركة لتبقى درسا لأمته تتعلم منها قيمة الثبات على المعتقد, وأهمية رسوخ الإيمان في القلوب, والثبات في الشدائد في استجلاب نصر الله وتوفيقه, وما أحوج شبابنا إلى مثل هذه القصص المثبتة للقلوب والمؤكدة لنصر الله وتأييده للصابرين المحتسبين في ظل ما يحوم بساحتهم من امتحانات وابتلاءات وما يصوب تجاه عقيدتهم من أسلحة تنوعت بين شبهات تستهدف تشكيكهم في كل ما له صلة بثوابتهم, وشهوات تستثير عواطفهم وتنمي في قلوبهم التعلق بالدنيا وزخرفها, والانسياق وراء الشهوات ومتعها نسأل الله سبحانه أن يعصمنا من الزلل, ويرزقنا إيمانا خالصا ويقينا صادقا ورضى بأقداره وسعيا في نيل رضاه فاستهدوه يهدكم....

الخطبة الثانية:

الحمد لله العلي الأعلى أحمده سبحانه فله الحمد في الآخرة والأولى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27 وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله إمام المتقين وسيد الصابرين وقدوة المبتلين اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الهداة وصحابته التقاة والتابعين لهم على قويم النهج إلى يوم الدين. أما بعد إخوة الإيمان إن الامتحانات والابتلاءات في هذه الحياة سنة إلهية يمحص فيها الإيمان وتختبر فيها معادن الرجال ويتبين الراسخون في الإيمان ممن هم على فا جرف هار, وصدق الله العظيم: الم{1} أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{3} ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين.. وتنقل لنا كتب الآثار قصة صحابي امتحن في إيمانه بين يدي ملك الروم بالإغراء ثم بالتهديد بالعذاب فلقنهم درسا في الثبات أكد لهم شدة تحمل وتضحية من ذاق طعم الإيمان, وهو درس آخر للأجيال يحمل لهم رسالة الاعتزاز بالإسلام ورسالة أخرى يتبين من خلالها أهمية المصلحة العامة وضرورة السعي في تحقيقها ولو في مقابل حظ نفسي مشروع ففي شعب الإيمان للبيهقي عن أبي رافع ، قال : وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا إلى الروم ، وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسره الروم فذهبوا به إلى ملكهم ، فقالوا : إن هذا من أصحاب محمد ، فقال له الطاغية : هل لك أن تتنصر وأشركك في ملكي وسلطاني ؟ فقال له عبد الله : « لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ، ما فعلت » ، قال : إذا أقتلك ، قال : « أنت وذاك » ، قال : فأمر به فصلب ، وقال للرماة : ارموه قريبا من يديه قريبا من رجليه وهو يعرض عليه ، وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل ، ثم دعا بقدر وصب فيها ماء حتى احترقت ، ثم دعا بأسيرين من المسلمين ، فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ، ثم أمر بعبد الله بن حذافة  أن يلقى فيها ، فلما ذهب به بكى ، فقيل له : إنه بكى فظن أنه رجع ، فقال : ردوه فعرض عليه النصرانية فأبى ، قال : فما أبكاك ؟ قال : « أبكاني أني قلت هي نفس واحدة تلقى هذه الساعة في هذا القدر فتذهب ، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى هذا في الله عز وجل » ، قال له الطاغية : هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك ؟ قال عبد الله :« وعن جميع أسارى المسلمين ؟ » قال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال عبد الله:« فقلت في نفسي عدو من أعداء الله أقبل رأسه ويخلي عني وعن أسارى المسلمين لا أبالي قال فدنا منه وقبل رأسه »، فدفع إليه الأسارى، فقدم بهم على عمر فأخبر عمر بخبره، فقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ فقام عمر فقبل رأسه. ألا إن سلعة الله –إخوة الإيمان- غالية ألا إن سلعة الله الجنة, وما كانت لتنال بالركون للشهوات واللذائذ والمشتهيات بل بالتضحية والصبر والثبات واليقين في ما عند الله  واسترخاص كل مصيبة وبلية في جنب الاستمساك بحبل الله, وبذلك يعكس المؤمنون الصادقون شوقهم إلى جنات النعيم وسعيهم فيما يؤهلهم لها مهما كلفهم ذلك من تضحيات. نسأل الله  أن يكرمنا بنعمة الهداية والتوفيق, ويسبل علينا جميل ستره وعافيته, ويمن علينا بإيمان صادق نجد لذته في قلوبنا وثمرته في سلوكنا ومواقفنا وأن يحسن ختامنا وييسر حسابنا وييمن كتابنا ويكرمنا بشفاعة سيد الأنام, اللهم اقسم لنا من خشيتك....