خطبة الجمعة ليوم 02 سبتمبر 2005 الموافق لـ 28 رجب 1426
تحت عنوان: من معاني الإسراء والمعراج
الحمد لله الذي أكرم نبيه بباهر المعجزات وخصه بالدنو إليه فوق سبع سماوات وجعل أمته الشاهد على سالف الأمم في محكم الآيات البينات أحمده سبحانه فالخلق خلقه والتدبير تدبيره ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعد الطائعين بالنصر والتمكين والفرج المحقق بعد الضيق متى اتقوه وسعوا في نصرة دينه. وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبي قربه إليه ربه وأدناه فكان قاب قوسين أو أدنى وأراه الآيات الكبرى فما زاغ البصر وما طغى وكلمه دون واسطة فأوحى إليه من البيان ما أوحى وعلى آله الأتقياء وصحابته الأوفياء وتابعيهم على قويم النهج وسبيل الهدى إلى يوم الدين.
أما بعد معشر الأحباب ما أروع صفحات سيرة المصطفى وما أمتع أحداثها والأعظم من كل هذا أن تتدارس لاستخلاص العبر والدروس من طياتها لأنها تمثل الجانب العملي والميدان التطبيقي لهدي القرآن وسنة المصطفى والأروع من ذلك كله أن تقف الأمة مع الأحداث في مناسباتها لتؤكد وثيق صلتها بنبيها وشديد ارتباطها بتاريخها واستعدادها لمدارسة ماضيها من أجل ارتسام غد مشرق يستمد معالمه من نصوص الشريعة وأسوته من سيرة المصطفى ويستوثق صحة مساره من صفحات التاريخ المشرقة وإننا إذ نعيش ذكرى حادثة الإسراء والمعراج لترتسم أمامنا معالم هذه الرحلة الأرضية السماوية التي تعتبر صفحة غيبية في جميع معطياتها وإكراما لرسول الله ولأمته من بعده إذا ما وقف على ظروفها. وفي حوالك الليالي يفتقد القمر, وفي الشدائد والكروب يرتجى الفرج, وإن كون هذا الإٌكرام الرباني يساق لرسول الله بعد بلوغ أذى قريش لدعوته ذروته, ليلتمس ناصرا لدعوته من خارجها بعد أن تأكد إصرارهم على غيهم بل بعد أن يعرض رسول الله نفسه على من توسم فيه بصيص أمل لا في قبول الدعوة بل في الجوار حتى يبلغ عن ربه فلم يجد منه إلا ردا أعنف من موقف قريش فيهيم على وجهه فلا يفيق إلا وهو في قرن الثعالب هنالك في الطائف بعد أن قطع ستين كيلومترا دون وعي فيفاجأ بما هو أشد عليه مما لاقاه من قومه ما يعني أن الأرض ضاقت برسول الله ودعوته فإلى أين الملجأ ومن أين يرتجى الفرج؟ إن هذه الرحلة في لسان حالها إكرام من رب الأرض والسماء لهذا النبي الخاتم. يا محمد لئن أهانك أهل الأرض فقد اتسعت لها قلوب الجن. ولئن أعرض عنك أقاربك وعشيرتك فقد أدناك ربك لحضرة قدسه وهيأ لك سماواته فلتقر عينك وليطمئن قلبك ولتتيقن أن من أرسلك ما كان ليخذلك ومن اختارك ما كان ليتركك وهي وميض أمل للأمة التي تمر بمخاض عسير تعاني فيه عداء صارخا من القوى التي تدعي العظمة وحربا شعواء فتحت نيرانها على جميع الأصعدة حرب على القرآن الكريم فقد طالته أيديهم تدنيسا وإهانة وطعنا وعلى رسول الله الله ليلحقوا اسمه بأبشع الصور وأخبثها ما يعكس دفين حقدهم وشدة الضغائن التي تمزق قلوبهم وعلى معالم حضارة هذا الدين ليطمسوها ويشوهوا حقائقها وعلى أخلاقه ليستبدلوها, فخستهم ووضاعتهم وأقذارهم وأدناسهم وعلى المتمسكين به فيتخذوهم هدفا لشباكهم وغرضا لمدافعهم ورشاشاتهم فبات الإسلام غريبا وبات القابضون عليه كالقابض على الجمر. إن في ظروف هذه الحادثة وميض أمل لفرج قريب يعجل بنصر من الله وتأييد فكلما ضاق الأمر اتسع وكلما اشتدت الكرب أذنت بالانفراج, ولئن اتقينا الله سبحانه واستمسكنا بحبل دينه وقصدنا بابه ما كان ليخيب آمالنا وإن رسول الله ليعلمنا صدق الملجإ إلى الله في الشدائد فبعد هذه المحن التي اجتمعت عليه يسند ظهره إلى حائط ويرفع تضرعاته إلى ربه شاكيا إليه ضعف قوته وقلة حيلته وهوائه على الناس معترفا لله بربوبيته مفوضا إليه جميع أموره مؤكدا عدم مبالاته بالخلق وعدائهم ما دام رب السماوات عنه راض مؤكدا رغبته في عفو ربه ورضاه بقدره ما يعني أن تقوى الله أساس الفرج والاعتراف بالتقصير سبيله والدعاء مفتاحه ولمن تعاطى أسباب ذلك أن ينتظره دون أن يسأل عن معطياته وسبله إذ هو سبحانه رب الأسباب وما كان غياب الأسباب ليحجب نفاد قدره وتحقق إرادته:( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) لكن ما أحوج الأمة إلى الإحساس بمرارة الواقع الذي تعيشه وإدراك خطورة الأسلحة الموجهة صوبها وكثرة الألغام التي تكتنف مسارها حتى يرتسم على محياها حال الخائف الوجل, وتتشبع دعواتها بالصدق والحضور وتلح إلحاح المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أما ما دمنا راضين بواقعنا على مرارته منكرين لتقصيرنا وإسرافنا على أنفسنا طامعين أن تتفجر هذه الألغام وتتنفس تلكم الأسلحة ذهبا وفضة قارئين لتهديد الأعداء على أنه غنج ومغازلة فما أبعدنا عن معطيات النصر والتأييد وإننا لنخشى أن يعجل الله بانتقامه منا قبل أعدائنا ويستخلف لدعوته أنصارا غيرنا. إخوة الإيمان إن بين منطلق ومنتهى الرحلة الأرضية إشارات قوية تؤكد لأمة الإسلام كبير مسؤوليتها عن مقدمات الله ذلك أن الله سبحانه جمع لرسوله مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما ما يعني أنه آن الأوان لتنتقل القيادة من أمة إلى أمة, من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات ولا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم وستظل أمته تستمد مبادئها وأخلاقها ومعالم سيرها من وحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم وجاءت هذه الرحلة حبلا رابطا بين المسجد الحرام بمكة الذي شهد دعوة محمد ويرفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبين المسجد الأقصى الذي شهد دعوة كثير من إخوة الأنبياء وكان قبلة أمة محمد الأولى- إن المسجد الأقصى إخوة الإيمان الآن يرفع شكواه إلى ربه. إن الأرض المباركة تشكو تقصير أمة القرآن إلى ربها وإن أيدي إخوة القردة والخنازير قتلة الأنبياء وعبدة العجل والمشترين بآيات الله حطام الدنيا سوسة كل حضارة وثعلب كل تمدن. تعمل معاولهاوحفرياتها في قواعد المسجد الأقصى بدعاواها الباطلة تريد بذلك إسقاطه وإحلال الهيكل المزعوم محله وإن جهودهم لتتضاعف وإن اعتقادهم أن انتهاء هذه السنة دون تحقيق مرغوبهم سيحل عليهم غضب الله. والعجب لأقوام يدفعهم زعمهم الباطل وتدينهم المقيت وعصبيتهم الحمقاء إلى التفاني في حين تتوانى وتفتر أمة وعدها لله بالعزة والتمكين وشهد لها وحي السماء بالأفضلية والتصدر وتقوي شهادتها وأحقيتها جميع المعطيات لكنها لا تحرك ساكنا كأنها جثة هامدة لا حراك لها, عجبا لقلوب لا يهز مشاعرها سفك دماء إخوانها في اللغة والمعتقد ولا تهديد مقدساتها بالمحو والهدم ولا تقاعسها عن تلبية نداء ربها. إن الأقصى أمانة في أعناقنا أمة الإسلام وإن حفظه من دنس الصهاينة ومكرهم مسؤوليتنا ولئن عجزت أجسادنا عن تحقيق ذلك فليكن في قلوبنا من الحسرة والأسى ما يؤكد إحساسنا بالذنب وعجزنا عن دفعه عسى أن يطلع الله على من انطوت عليه قلوبنا من خير فيغفر لنا أو من حرقة فيهيء لنا أسباب تحريره وتخليصه من قبضتهم أو من غيرة فيدفع عنا خبثهم وكيدهم فإنه سبحانه لا يعجزه شيء نسأل الله سبحانه أن يهيء لأمة الإسلام أمر رشد يعيد به ضالها لجادة الطريق ويثبت المهتدي على قويم النهج ويصلح به قادتها ويقوى به شوكتها ويوفقها لتحرير مقدساتها وإعلاء راية دينها إنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فالزموا تقواه عباد الله تفلحوا واستمسكوا بحبله تفوزوا واستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الحليم المنان العزيز الغفار الرحيم الرحمن أحمده سبحانه على إنعامه وأشكره على أفضاله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يختص برحمته من يشاء ويؤتي فضله من شاء وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله من أكرمه ربه بإمامة الأنبياء واستقدم حيث توقف الملائكة الأوفياء والرؤية حيث كلت الأبصار وعميت البصائر وعلى آله أولي النهى وصحابته أعلام الهدى وتابعيهم على صواب الرأي وصحة المعتقد إلى يوم اللقاء. أما بعد إخوة الإيمان لقد كان ختام الرحلة الأرضية من هذه المعجزة أن أم رسول الله أرواح الأنبياء فصلى بهم ركعتين وفيه من الدلالات ما فيه لذوي البصائر فمن ذلك تأكيد فضل الصلاة وأهميتها وأنها أفضل قربة يتقرب بها العبد إلى ربه إذ يلتقي رسول الله أرواح إخوانه الأنبياء فيكون جوهر لقائهم اجتماعا على طاعة الله ولو كانت ثمة قربة أكد منها لتقربوا بها وفي لقاء لا سابق له ولا يعرف له لاحق إلى أن تقوم الساعة وهي صيحة بليغة إلى التاركين للصلاة والمتهاونين بها بأن يقفوا على خطورة الجرم الذي أصروا عليه ويدركوا بأن نجاتهم من عذاب الله رهن توبتهم وعودتهم للمحافظة على هذا الركن الركين في دين الإسلام ثم إن في الاجتماع على أداء هاتين الركعتين ما يؤكد أن كمال الصلاة وتحقيق مقصد تشريعها يتوقف على تحصيلها في جماعة في بيت من بيوت الله أما أن تنقر حيث وجد العبد دون أن يكلف نفسه عناء الانتقال للمسجد والحرص على الجماعة فما أبعد صلاة هذه هيأتها عن نيل رضوان الله سبحانه وإن كان هذا دأب السواد الأعظم من المصلين ثم إن في إمامته بالأنبياء وفاء منهم عليهم السلام بالميثاق الذي أخذه الله عليهم لئن بعث رسول الله مصدقا لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه وتأكيدا لمن يدعي التمسك بشرائعهم أن هذه الشرائع قد نسخت ببعثته وأن الدين عند الله الإسلام ولو كانوا يؤمنون حقا بأنبيائهم ما وسعهم إلا اتباعه عليه الصلاة والسلام. أما الرحلة السماوية فهي أعظم دلالات ودروسا من أن تسع الحديث عنها دقائق معدودة وتكفي الإشارة إلى أنها كانت الغاية من الرحلة وأن من أسمى أهدافها ما رآه النبي من آيات ربه الكبرى من صفحات الغيب التي أرسل ليبلغ أمته معالمها ويلزمهم الإيمان بها وهي في خلاصتها عين يقين لما أعده الله للمتقين من أمته من النعيم وما أعده للعصاة والمجرمين من أليم عذاب تشيب لهوله الولدان ولقاء مع بعض من تقدمه من الأنبياء ممن قص الله علينا في القرآن قصصهم وأمرنا أن نعتبر من أحداثها لتتحد الفكرة مع الصورة وتطبع في القلوب يقينا ومعاينة منه لأمين الوحي جبريل في صورته الملائكية تأكيدا لحقيقة الملائكة ودعوة أمة الإسلام أن تؤمن بهذا العالم الذي خلقه الله عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومعاينة منه لجلال الله وأنواره ما يؤكد أنها كانت إكراما لرسول الله وتسلية له عما لاقاه من إصرار وعناد من قبل الكفار وتسرية عن الغم الذي أصابه وتأكيدا لمعية الله سبحانه له وتأييده وتجلية لمقام هذا النبي الكريم عند الله سبحانه وتعالى حتى يتأكد البشر أنهم مهما بالغوا في وصفه وأطنبوا في مدحه وتفانوا في خدمته فلن يوفوه حقه ولن يقدروه قدره.
وعلى تفنن واصفيه في وصفه*** ما يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وفي بطون كتب السير ما يغني على الاستقصاء والتتبع وسرد الأحداث ويا فوز من ملأ قلبه بمحبة رسول الله وملأ أوقاته بالصلاة والسلام عليه وعطر مجالسه بمذاكرة سيرته ومدارسة هديه وسنته راجيا بذلك شفاعته وورود حوضه وجواره. نسأل اله سبحانه أن يحي قلوبنا بذكره ويملأ أفئدتنا بمحبته ويهدي جوارحنا للاقتداء به اللهم أجر نبيك وحبيبك عنا أفضل ما جزيت نبيا عن أمته وارفع اللهم في العالمين ذكره وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وارفع اللهم راية دينك وانصر جندك ومكن أمة نبيك تمكينا تذل به أعداءك وتدحض به باطلهم وتعلي به مجد لمسلمين وتعيد لهم عزهم ونصرتهم اللهم ثبت إخواننا المرابطين على عتبات المسجد الأقصى واكتب لهم أجر الشهداء وهم أحياء وأجر الأنبياء وهم شهداء واجعل من بقيتهم ومن أصلابهم جندا يوحدون راية الإسلام ويقودون جند الله لتحرير المسجد الأقصى.
|