إحصائيات

عدد اعضاء الموقع : 2
محتويات الموقع : 237
زيارات مشاهدة المحتوى : 8199
يوجد حاليا 2 زوار المتواجدين الآن بالموقع
الإسراء والمعراج :24جوان2011

خطبة الجمعة ليوم: 22رجب1432هـ/24جوان2011

تحت عنوان: رحلة الإسراء الأحداث والعبر

الحمد لله خصنا بدين الإسلام, وأكرمنا ببعثة سيدنا محمد  وجعله لرسله مسك الختام, أحمده سبحانه وأشكره أكرم نبينا بمعجزة الإسراء والمعراج, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ه القائل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبد الله ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله نبي قربه إليه ربه وأدناه فكان قاب قوسين أو أدنى وأراه الآيات الكبرى فما زاغ البصر وما طغى وكلمه دون واسطة فأوحى إليه من البيان ما أوحى  وعلى آله الأتقياء وصحابته الأوفياء وتابعيهم على قويم النهج وسبيل الهدى إلى يوم الدين. من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى....

أما بعد معشر الأحباب إن إكرام الله  لنبيه  بمعجزة الإسراء والمعراج جاء حلقة بارزة في سلسلة الإكرام الرباني الذي خصه به بعد محنة الحصار وما جوبه به في الطائف, ورحلة فريدة في هدفها فإن هدفها القرب من الله ورؤية باهر آياته وعجائب صنعه, وكشف لصفحات من مكنون غيبه, فريدة في مركوبها فهو البراق مطية الأنبياء والمرسلين دابة تضع حافره في منتهى طرفها في سرعة تتجاوز سرعة الصوت إلى سرعة الضوء, وفي المرافق فيها فهو أمين وحي الله جبريل عليه السلام, وفي الوفود المستقبلة فهم أنبياء الله ورسله, هي معجزة ترسم للأمة المسلمة سبيل السمو الروحي والعروج القلبي في آفاق التوبة والإنابة والصلاح والاستقامة، إذ تبدأ - كما ورد في الحديث الشريف - بشق الصدر وغسل القلب بماء زمزم، ثمّ ملئه بالحكمة والإيمان، ولا جرم أنّ في تخصيص قلبه بالغسل دون غيره من البدن تنبيها على أنّ القلوب موطن الإيمان ومحلّ العرفان وأنّه بصلاحها تصلح الأبدان, وأنّه ينبغي ألا يكون لغير الحق فيها نصيب، وذلك تصديق لقوله : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ))، فإذا ما صلحت القلوب, وأخلصت لله علام الغيوب, نأى أهلها عن الأدناس والأرجاس والذنوب, وعرجوا في معارج التقوى، وصاروا مصاحف تدبّ على الثرى، وشموسًا تنير للبشرية صراط النجاة وتنقذها من الغواية والعماية والشقوة, وإذا عَمَرَ الإيمانُ بالله تعالى القلوبَ لم تزعزعها العواصف والأعاصير، ولم تنل منها قوى الكفر مهما أجلبت بخيلها ورجلها, ولم يوهنها لقاء الأعداء لأنها موصولة بالله تعالى رب الأرض والسماء: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. إنّ في حادثة شقّ الصدر هذه توجيه للأمة الإسلامية على مرّ العصور وكرّ الدهور لتأخذ بأسباب الذكر والشكر والتوبة والإنابة، وتغسل قلوب أبنائها من الدنيا وأدرانها وأكدارها وأغيارها, وتنزع منها الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت, لأنّ الأعداء لم يجوسوا خلال ديارها, ويتحيفوا أوطانها, ولم ينتقصوا أرضها من أطرافها, ويسوموها خطة خسف وعذاب إلا حين أقفرت القلوب من الإيمان, واستحوذ عليها الشيطان, وعربد فيها حب الدنيا, وجمدها صقيع المادة, فاستحبّت الحياة الدنيا على الآخرة, وألقت السلم والقياد إلى أعدائها, وركنت إلى الشهوات, وركبت الأهواء, ورغبت عن عيش السعداء وموت الشهداء. إنّ حادثة الإسراء والمعراج تهيب بالأمة أن تعود إلى سبيل العبادة والطاعة, وتقتدي بالرسول  وبالصحابة الكرام  في قوة الإيمان الذي يملأ القلوب, واليقين الذي يدخل النفوس من أقطارها؛ وأن تغسل عنها أدران الخطايا, وتخلص لله رب البرايا حتى تكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. إنّ السير في رحاب العبودية لله الذي ترسمه رحلة الإسراء والمعراج يوصل الأمة المسلمة إلى غايتها الحقيقية وهي رضوان الله ومغفرتــه وجنانه في الآجلة، وأنّ إلى ربك المنتهى، والنصر والتمكين والعزة والمجد والحياة الكريمة في العاجلة, وهذا شأن المؤمن في دنياه; إنه الهجرة والذهاب إلى الله: إني ذاهب إلى ربي سيهدين, والفرار إلى الله: ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ، والمؤمن في رُقيّ روحي دائم, وسمو نفسي لا ينقطع، وسعادة غامرة. ) وإن رسول الله  ليمر في هذه الرحلة بداع يدعو فيعرض عنه فيخبره جبريل أنه داعي اليهودية ولو استجاب له لتهودت أمته في تحذير لأمة الإسلام من أن تتخذ من مكر اليهود وخبثهم مطية لسفك الدماء وتدنيس المقدسات, إن إعراض رسول الله  عن داعي اليهودية يؤكد واجب أمته تجاه من فضح الله  طويتهم تجاه الموحدين: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا. وأيأس نبيه من إرضائهم: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. ويمر على آخر يدعو فيعرض عنه فيخبره جبريل أنه داعي النصرانية ولو أجبته لتنصرت أمتك في حين أن إرضاء النصارى والمسيحيين في منظومة أمة محمد  أولى من إرضاء الله, بل أدعياء المسيحية من صليبيين وملاحدة هم قبلة أمة الإسلام ولابد من كسب ثقتهم ونيل رضاهم ولو ببيع الدين والأرض والعرض في مرارة واقع وحرقة قلب. وتدعوه عجوز شمطاء قد اكتست من الزينة ما يطمس تجاعيد شيخوختها ويميل قلوب الضعاف إليها, ويعرض عنها  فيخبره جبريل أنها الدنيا ولو أجبتها لاشتغلت أمتك بالدنيا عن الآخرة. في إشارة واضحة إلى أن حقيقة الإيمان أن يتخذ المرء من دنياه مطية للآخرة, وأن يشتغل بما هو مقبل عليه لا بما هو مرتحل منه, وبما يدوم نفعه ويوفى صاحبه أجره لا بما تزول لذته وتبقى تبعته. إن من أبرز محطات رحلة الإسراء أن رسول الله  صلى بأمر من جبريل في طيبة وقال له: إليها المهاجر, وصلى بـ "طور سيناء" حيث كلم الله عز وجل موسى .ثم بـ "بيت لحم" حيث ولد عيسى  ثم ببيت المقدس حيث جمع له الأنبياء عليهم السلام فأمهم. وكانت هدية السرور التي أتحفه الله  بها خمس صلوات في الأداء وهي خمسون في الأجر, وقد توجت فرضيتها بالنداء العلوي: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي هن خمس, وهن خمسون ما يبدل القول لدي. وفي ذلك معنيان بارزان الأول أن هذه الرحلة تبين بيانا شافيا مكانة الصلاة في الإسلام إذ فرضت في ليلة الإسراء والمعراج, وهي الركن الثاني بعد الإيمان بالله تعالى وبرسوله , وفيها يغتسل المسلم من الذنوب والغفلات خمس مرات, وتعرج روحه وهو مستغرق في مناجاة الله رب الأرض والسموات, يسأله العون والمدد والهدى والرشد والاستقامة والثبات. وما أجمل قول أبي علي الدقاق رحمه الله: " إن نبينا  أتى للأمة بالمعراج على التحقيق, فإنّ الصلاة لنا بمنزلة المعراج, وقد كان المعراج له عليه الصلاة والسلام ثلاث منازل, من الحرم إلى المسجد الأقصى, ثّم من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى, ثم منها إلى قاب قوسين أو أدنى, فكذلك لنا الصلاة ثلاث منازل: القيام, ثم الركوع, ثم السجود, وهو نهاية القربة". حقاً لقد شرعت الصلوات الخمس في السماوات ليلة الإسراء والمعراج لتكون معراجا يرقى بالمسلمين في سماء الطهر والعفاف والرشاد، ولتكون لهم روحًا وريحانا وملاذًا يفزعون إليه كلما حزبتهم الشدائد والخطوب, وخاضوا غمرات المحن والحروب, يستعينون بالله تعالى علام الغيوب, ويسألونه النصر والعون والتمكيـن يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين. وياليت تارك الصلاة أو المتهاون بها يدرك هذه الحقائق ويفقه هذه الأسرار, إن محورية الصلاة في هذا الإكرام الرباني ليؤكد لنا بجلاء محوريتها في صلتنا بربنا, وفي استجلاب نصره وتأييده, واستدرار إنعامه وإفضاله, والمعنى الثاني أن أفضل قربة تجمعنا بالأماكن المقدسة والأخيار من الأولياء والصالحين هي قربة الصلاة, لذا خصت المساجد الثلاث بشد الرحال إليها للصلاة فيها, وكان الائتمام بالصالحين في الصلوات سبب المدد والارتقاء, وعهدنا من صالح سلفنا عدهم للصلوات التي ائتموا فيها بمن يتوسمون فيهم الولاية والصلاح, وكانت إمامته بالأنبياء عليهم السلام إيذانا بوفائهم لله بما أخذ عليهم من الميثاق الذي نص علي ربنا في محكم تنزيله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وهي أمور تؤكد محورية المسجد في حياة الأمة ووطيد علاقتها ببيوت الله. إن المساجد في الأرض بيوت الله أذن أن ترفع بناء وطهارة وقدسية وحرمة, وأن تعمر ذكرا وتلاوة وصلاة, ووحدة وطهرا وارتقاء, وربنا سبحانه يقول في محكم التنزيل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. اسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من عمار بيته المحافظين على صلواتهم القانتين لربهم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الداعي لأقوم السبل والهادي لأفضل الشرائع واتباع أكرم الرسل, أحمده سبحانه على ما أنعم, وأشكره على ما أولى وألهم, وأشهد أن لا إله إلا الله ناصر المستضعفين وهادي الضالين وخاذل الأعداء والمضلين, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله من أكرمه ربه بإمامة أنبيائه, وهداه للفطرة فكانت عنوان رسالته.  وعلى آله الأصفياء, وأصحابه الأوفياء, وتابعيهم على النهج القويم ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله. لقد كانت معجزة الإسراء والمعراج تكريما من الله عزّ وجل لرسولنا محمد , وروحًا وراحة لفؤاده الشريف المعنّى، وتجديدا لعزيمته, وتطمينًا له بأن الله تعالى معه لينصره ويكلأه بعين عنايته ورعايته, ويحوطه بتأييده وحمايته ويمسح عنه الآلام والأحزان, ويريه من آياته الكبرى, ويُعلمه أنّه إمام الأنبياء والمرسلين بعد أن صلى بهم إماما في بيت المقدس, وأنّ هذا الدين الحق الذي يحمله هو كلمة الله الأخيرة إلى خلقه, وأنّ ما أصابه من إيذاء وتعذيب إنما هو سنة الله تعالى مع أنبيائه وأصفيائه وأحبائه, وأنّ أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم أتباعهم الذين يأخذون الحق بقوة. لقد اختار رسول الله  وهو يستعد للمعراج اللبن وفي اختياره  اللبن على الخمر حين قدمها له جبريل  دلالة ظاهرة باهرة على أنّ الإسلام العظيم هو دين الفطرة ففي رواية أنس  عند مسلم (( ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت, فجاءني جبريل  بإناء من خمر وإناء من لبن, فاخترت اللبن, فقال جبريل : اخترت الفطرة ))، والمراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة؛ لأنّ الإسلام هو الذي يستجيب لنوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة اعتقادا وعبادة وأخلاقا وآدابا وفضائل ومنهج حياة, ولا تجد الفطرة سعادتها وأمنها وسكينتها ونقاءها وطهرها وسموها إلا في ظلاله الوارفات، ولا يصبح الإنسان مصدر أمن وخير إلا إذا صبغت فطرته وروحه وحياته بالإسلام الخالد، وستبقى البشرية تسير في سبل الجهالة والضلالة وطرق العماية والغواية حتى تستجيب لهذا الدين الحق الذي يعرج بها في سماوات الطهر والتوادّ والتراحم والتعاون والتكافل صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون. والخمر في الإسلام هي أم الخبائث وهي رمز للشرور والآفات, ومجانبة الفطرة السليمة, والنأي عن التفكير القويم والحياة الهانئة الكريمة السعيدة النبيلة, وما أتعس البشرية إذا سارت في ركاب الشر وحاربت نداء الفطرة الذي يدعوها إلى الله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، ولا يزيد الناس بعدُهُم عن هذا الحق إلا رهقاً وعنتاً, وضنكاً وحيرةً وشــروداً, وذلاً وهواناً  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى. ومن العبر المهمة والعظات البالغة أنّ رحلة رسول الله  بدأت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى, وفي ذلك دلالة باهرة على المكانة الرفيعة والمنزلة العظيمة التي يتبوؤها هذا المكان عند الله تعالى, وأنّ على المسلمين أن يصونوه بالمهج والأرواح والأبناء والأموال, وأن يبذلوا للدفاع عنه كل نفيس وغال، ويركبوا من أجل درء عادية المغيرين عليه الصعاب والأهوال, وأنّ على المسلمين في هذا العصر ألا يستكينوا ولا يهنوا ولا يضعفوا أمام الغاصبين الذين جاسوا خلاله الطاهرة, واستولوا على أكناف بيت المقدس وأرض فلسطين الإسلامية, وأن الجهاد وحده هو السبيل الحق لاستعادة المسجد الأقصى وأرض فلسطين, وما ضاعت هذه الديار المباركة إلا عندما أضاعت الأمة إسلامها, وجعلت القرآن وراءها ظهريّا، فهل تعود الأمة إلى إسلامها من جديد, وترجع الابتسامة إلى المسجد الأقصى المحزون, وتقر عين الإسلام بفتح مؤزّرٍ مبين? وفي ذلك أيضا برهان ساطع على انتقال القيادة في العالم إلى أمة محمد ، حيث جاءت رسالة نبينا  لتنقل قيادة العالم هداية وإرشادا وصلاحا وعلما وعدلا إلى أمة الإسلام, وقد حمل الصحابة الكرام  والتابعون رحمهم الله رايات هذا الدين الحق إلى العالم كله, فأشرقت الأرض بنور ربها, وعاش العالم في ظل الحضارة الإسلامية الإنسانية العالمية, واستظل بظلها الوارف الأمين قرونا طويلة. فهل تعي الأمة الإسلامية عظمة الرسالة التي أكرمها الله تعالى بها وتحرص عليها, وتحملها إلى الناس من جديد? وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون. وهل تكون ذكرى الإسراء والمعراج حافزا لها يقوي عزيمتها, ويحرك همتها, وينفض عنها غبار ذلتها, ويقوي شكيمتها لتستيقظ من غفلتها, وتنهض من كبوتها, وتعتز بعقيدتها, وتبني حياتها وحضارتها في ظلال هذا الإسلام الحق, وتغسل عنها عار الذل والهوان, وتجتث من الكون جذور الفساد والضلال والغواية حتى ينعم الناس بالأمن والتوحيد والهداية? من أجل ذلك نحيي ذكرى الإسراء والمعراج لنعرج في سماوات العزة والمجد والسؤدد والنصر, ونرضي الله تعالى الذي له الخلق والأمر وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .